البهائية
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

مس الشيطان للأنبياء

 
عرض الفتوى
 
 
مس الشيطان للأنبياء
1412 زائر
25-08-2010
الشيخ محمد صفوت نور الدين - الشيخ صفوت الشوادفي - د.جمال المراكبي
السؤال كامل
يقول الله عز وجل في سورة (ص) : ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ‏الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) [ ص : 41] ، فهل يمس الشيطان الأنبياء ؟ وكيف ‏يَخْلُصُ إليهم وهم أنبياء محاطون برعاية الله وحفظه ؟‏
جواب السؤال

الجواب :

قال القرطبي عند الآية (41) من سورة (ص) : قولهم : إن الله قال - ‏أي : للشيطان - قد سلطتك على ماله وولده ، فذلك ممكن في القدرة ، ولكنه بعيد ‏في هذه القصة ، وكذلك قولهم : إنه - أي : الشيطان - نفخ في جسده حين سلطه ‏عليه ، فهو أبعد ، والباري سبحانه قادر على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون ‏للشيطان في كسب ، حتى تقر له - لعنة الله عليه - عين بالتمكن من الأنبياء في ‏أموالهم وأهليهم وأنفسهم .‏‏(ثم قال ) : قال القاضي : والذي جرأهم على ذلك وتذرعوا به إلى ذكر هذا قوله ‏تعالى : ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) ، فلما رأوه قد شكا ‏مس الشيطان أضافوا إليه من رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال ، وليس ‏الأمر كما زعموا ، والأفعال كلها - خيرها وشرها في إيمانها وكفرها طاعتها ‏وعصيانها - خالقها هو الله لا شريك له في خلقه ، ولا في خلق شيء غيرها ، ولكن ‏الشر لا ينسب إليه ذكرًا ، وإن كان موجودًا منه خلقًا ، أدبًا أدبنا به وتحميدًا ‏علمناه ، وكان من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم لربه به قوله من جملته : ( ‏والخير في يديك ، والشر ليس إليك ) ، على هذا المعنى ، ومنه قول إبراهيم : ( ‏وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) [ الشعراء : 80] ، وقال الفتى للكليم : ( وَمَا أَنْسَانِيهُ ‏إِلَّا الشَّيْطَانُ ) [ الكهف : 63] .‏

قال ابن العربي : ولم يصح عن أيوب عليه السلام ، في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه ‏في كتابه في آيتين ؛ الأولى : قوله تعالى : ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ ) ‏‏[ الأنبياء : 83) ، والثانية في (ص) : ( أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَاب ) ، ‏وأما النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يصح أنه ذكره بحرف واحد ، إلا قوله : ‏‏(بينا أيوب يغتسل إذ خر عليه رَجْلٌ من جراد من ذهب ) . الحديث .‏ لذا لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه ، فمن الذي يوصل إلى السامع أيوب ‏‏، عليه السلام ، خبره ؟ أم على أي لسان سمعه ؟ والإسرائيليات مرفوضة عند ‏العلماء على البتات ، فأعرض عنها بصرك ، وأصمم عن سمعها أذنيك ، فإنها لا ‏تعطي فكرك إلا خبالاً ، ولا تزيد فؤادك إلا خيالاً .‏

وفي الصحيحين - واللفظ للبخاري - : أن ابن عباس قال : يا معشر المسلمين ، ‏تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله ، تقرءونه ‏غضًّا لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا وكتبوا ‏بأيديهم الكتب ، فقالوا : ( هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ) [ البقرة : ‏‏79] ، ولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟! فلا والله ما رأينا رجلاً منهم ‏يسأل عن الذي أنزل عليكم ، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث (الموطأ) ‏على عمر قراءته التوراة .‏يقول الشنقيطي في تفسير سورة (الأنبياء) :‏

فإن قلت : لِمَ نسبه إلى الشيطان ولا يجوز أن يسلطه على أنبياء ليقضي من إتعابهم ‏وتعذيبهم وطره ، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحًا إلا وقد نكبه وأهلكه ، وقد ‏تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب .‏

قلتُ : لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سببًا فيما مسه الله به من ‏النصب والعذاب نسبه إليه وقد راعى الأدب في ذلك ، حيث لم ينسبه إلى الله في ‏دعائه ، مع أنه فاعله ، ولا يقدر عليه إلا هو .‏

وقيل : أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء ، ‏ويغريه على الكراهة والجزع ، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء ‏‏، أو بالتوفيق في دفعه ، ورده بالصبر الجميل .‏

‏(ثم قال) : وغاية ما دل عليه القرآن : أن الله ابتلى نبيه أيوب ، عليه وعلى نبينا ‏الصلاة والسلام ، وأنه ناداه ، فاستجاب له وكشف عنه كل ضر ، ووهبه أهله ‏ومثلهم معهم ، وأن أيوب نسب ذلك في (ص) إلى الشيطان ، ويمكن أن يكون سلطه ‏الله على جسده وماله وأهله ابتلاء ليظهر صبره الجميل ، وتكون له العاقبة ‏الحميدة في الدنيا والآخرة ، ويرجع له كل ما أصيب فيه ، والعلم عند الله .‏وهذا لا ينافي أن الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب ؛ لأن التسليط على الأهل ‏والمال والجسد من جنس الأسباب التي تنشأ عنها الأعراض البشرية كالمرض ، ‏وذلك يقع للأنبياء ، فإنهم يصيبهم المرض ، وموت الأهل ، وهلاك المال لأسباب ‏متنوعة .‏

وقد حصل لأيوب من المكروه ألم من الجسد ، وزوال الخيرات ، فقال : ( أَنِّي ‏مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) ، والنصب : التعب .‏ قال في (الظلال) : وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة ، وهي تضرب مثلاً ‏للابتلاء والصبر ، ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها ، والحد المأمون في هذه ‏القصة هو أن أيوب ، عليه السلام - كان كما جاء في القرآن الكريم - عبدًا صالحًا ‏أوابًا ، وقد ابتلاه الله فصبر صبرًا جميلاً ، ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال ‏والأهل والصحة جميعًا ، لكنه ظل على صلته بربه وثقته به ، ورضاه بما قسم له .‏

وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له - ومنهم زوجته ‏‏- بأن الله لو كان يحب أيوب ما ابتلاه ، وكانوا يحدثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد ‏مما يؤذيه الضر والبلاء ، فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه ‏الله ليضربنها عددًا عينه ، قيل : مائة .‏عندئذ توجه إلى ربه الشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان ومداخله إلى نفوس ‏خلصائه ، ووقع هذا الإيذاء في نفسه : ( أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) ، ‏فلما عرف ربه منه صدقه وصبره ونفوره من محاولات الشيطان وتأذيه بها ، ‏أدركه برحمته وأنهى ابتلاءه ورد عليه عافيته ، إذ أمره أن يضرب الأرض بقدمه ‏فتنفجر عين باردة يغتسل منها ويشرب فيشفى ويبرأ : ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا ‏مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَاب ) [ ص : 42] ، (انتهى) .‏

والشيطان قدرته وطاقته مع البشر موضحة في قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ ‏سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ ) [ إبراهيم : 22] ، فصرح بأنه لا قدرة له في حق ‏البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة .‏

الدعاء والمسألة من العبودية ، وهي ليست من باب الشكوى !!‏

قال الفخر الرازي : الحق أن المراد من قوله : ( أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ‏‏) ، أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة والخواطر الباطنة ، كان يلقيه في نوع من ‏العذاب والعناء .‏

وخلاصة القول : أن أيوب ، عليه السلام ، نبي كريم ، امتدحه الله بالصبر : ( إِنَّا ‏وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب ) [ ص : 44] ، ومن العبودية الدعاء والمسألة ، ‏وهي ليست من باب الشكوى : ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ ) ، ( أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ ‏وَعَذَابٍ ) إنما هو دعاء ، وأما مس الشيطان له فهو وقع الوسوسة على نفسه ، إما ‏من أثر الوسوسة له ، أو من أثر الوسوسة لخلصائه ، خاصة امرأته ، وأن ‏تصريحهم بما وقع في نفوسهم من وسوسة الشيطان هو الذي أحدث في أيوب النصب ‏والعذاب الذي اشتكاه ، والله أعلم .‏

جواب السؤال صوتي
    طباعة 
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 12 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ