الإسراء والمعراج

مثل من يدعو غير الله

 
عرض المقال
 
 
مثل من يدعو غير الله
876 زائر
16-09-2010
أبي الوفاء محمد درويش
من أمثال القرآن
مثل من يدعو غير الله

قال تعالى : ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ )[الرعد:14،13] .

الدعاء نداء من يعين على قضاء الحاجات ، أو دفع الكربات أو كفاية المهمات ، من غير طريق الأسباب والعادات ، ولا يملك ذلك إلا رب العالمين الحي القيوم سبحانه ، فالدعوة التي توجه إليه سبحانه دعوة حق ، لأنها توجه إلى سميع قريب مجيب . والدعوة التى توجه إلى غيره دعوة باطل ، لأنها توجه إلى عاجز لا يقدر على شئ ، والدعاء عبادة لقوله صلى الله عليه وسلم : (الدعاء مخ العبادة) أي صفوتها ولبابها . والعبادة لا تكون إلا الله الخالق الرازق جل شأنه ، وعبادة غيره شرك ، فدعاء غيره شرك لأن الدعاء عبادة كما تقدم .

فإذا سطا لص على شخص مثلاً ، فقال : يا سيد يا بدوي أغثني وهو يعتقد أن السيد البدوي يسمع دعاءه ، ويقدر على أغاثته كان مشركًا بالله تعالى ، وكذلك إذا هجم أفعوان على شخص فقال : ادفعه عني يا رفاعي ، وهو يعتقد أن الرفاعي يملك قوة غيبية وراء الأسباب يستطيع بها أن يسمع النداء ويدفع المكروه كان مشركًا بالله كذلك . والدعوة الموجهة إلى البدوي والرفاعي دعوة باطل . مثلها كمثل الدعوة التي كانت توجه في الجاهلية إلى اللات والعزى ومناة وهبل .

ضل الناس حينا من الدهر سبيل الفطرة السليمة وتنكبوا طريق الهدى المستقيم ، وتورطوا في جاهلية جهلاء ، وانحدروا من أفق الإنسانية الأعلى إلى حضيض بل إلى هوة لا يدرك غورها ولا ينال قعرها حين انصرفوا عن عبادة الله تعالى وعبدوا غيره من إنسان ضعيف لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ، أو حيوان لا عقل له ولا تمييز ، أو جماد لا حس له ولا حركة .

فلما أراد الله تعالى أن يقيل عثرة الإنسانية وينشلها من أوحالها ، ويرد إليها ما عزب من رشدها ، وما غاب من صوابها بعث إليها محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليدعوها إلى عبادة الله وحده ، ونبذ كل ما كان يعبد من دونه ، وأنزل معه كتابًا عزيزًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فصَّل فيه الآيات تفصيلاً ، وبين فيه الحقائق تبيينا ، وضرب فيه الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ما نسوا من حقائق الكون ، وطبائع الأشياء وإلهام الفطرة ، عسى إن تثوب إليهم عقولهم التي ران عليها الجهل وشلها الحرص على اقتفاء آثار الآباء ، فيفرقوا بين صفات الخالق ، وصفات المخلوق ، ويعرفوا أيهما الخليق بالعبادة ، وأيهما الجدير بأن يتوجه إليه الناس بالضراعة والدعاء .

في هذه الآية الكريمة التي ضرب الله فيها المثل لمن يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره ، بين تعالى أن
الدعوة نوعان : دعوة حق ، ودعوة باطل ، أما دعوة الحق فهي الدعوة النافعة التي يسمعها المدعو ويستجيب لها ، وهي التي يتوجه بها صاحبها إلى الله تعالى الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، ويكشف السوء ، لأنه هو السميع البصير ، الذي بيده ملكوت كل شئ ، وهو يجير ولا يجار عليه ، وإن من شئ إلا عنده خزائنه ، ولو اجتمع الخلق كلهم أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم في صعيد واحد ، ثم سألوه فآتي كلا منهم سؤله ما نقص ذلك من خزائنه إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر .

أما دعوة الباطل فهي الدعوة التي لا تسمع ولا تجاب وهي التي توجه إلى غيره تعالى .

وغيره تعالى إما أن يكون حيًا أو ميتًا . أما الميت فقد انقطع عمله بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول : (إذا مات ابن آدم فقد انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم نافع ، وولد صالح يدعو له ) . وإذا انقطع عمله لنفسه فأحرى أن ينقطع عمله لغيره .
وأما الحى ، فإما أن يكون غائبًا أو حاضرًا . فأما الحاضر فإن طلبت إليه ما يملكه كالمساعدة على رفع شئ ثقيل لا تقدر على رفعه وحدك ، لم يكن هذا دعاء ، بل هو من طلب التعاون على البر ، وذلك مطلوب شرعًا .
وإذا طلبت إليه ما لا يملكه كتيسير الرزق وشفاء المريض ، ومنح الذرية ، وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كانت دعوتك دعوة باطل وكانت مع ذلك شركًا مخرجًا من ملة الإسلام .
وأما الغائب فإنه لا يسمعك ، ولا يعلم بدعوتك ومن اعتقد أن الغائب البعيد يسمع دعاءه كان ملحدًا في أسماء الله تعالى ، لأنه نسب علم الغيب لغير الله تعالى . وإنما الغيب لله : ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ) .

وإذا ثبت أن الغائب لا يسمع الدعوة ولا يعلمها فدعاؤه ضلال مبين وشرك بالله رب العالمين .

شبه الله هؤلاء الذين يدعون غير الله بشخص ظامئ وقف على شاطئ نهر وبسط كفيه إلى الماء يرجوه ، ويسرف في الرجاء ويضرع إليه ، ويلح في الضراعة ، ويسأله ويبالغ في السؤال أن يخرج من مكانه بغير أنبوب ولا وعاء ، ويسير في الفضاء كما يسير الضياء حتى يبلغ فاه ، فينقع غلته ، ويذهب حرقته ، والماء ثابت في موضعه ، لا يسمع ولا يستجيب ، ويظل هذا المتعلق بالأوهام المخدوع بالأباطيل واقفًا في مكانه يقتله الظمأ ، ويقضى عليه العطش ، ولن يبلغ الماء فاه ، ولن يبل صداه ولن يطفئ أوامه ولن يروى هيامه .
فلله ما أبلغ هذا التشبيه الرائع المصيب ، ولله ما أروع هذا الكلام الذي يفيض بالحكمة ، وتومض في خلاله دلائل الإعجاز .
ذلك مثل الذين يدعون غير الله فألق إليه بالك وأرعه سمعك ففيه ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .


   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 18 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ