و من يتق الله
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

أضواء من السيرة العطرة 1

 
عرض المقال
 
 
أضواء من السيرة العطرة 1
1252 زائر
16-09-2010
د/ الوصيف علي حزة
أضواء من السيرة العطرة
غزوة بدر الكبرى
بقلم: د. الوصيف على حزة
---------------------

هي يوم الفرقان يوم التقى الجمعان. وهي يوم النصر الأكبر وفاتحة الخير على الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. فيها قلمت أظفار الشرك واستؤصلت شأفة المشركين.
خرج المسلمون في السنة الثانية للهجرة في السابع عشر من رمضان يطلبون عيراً لقريش. وهم في ذلك ليسوا قطاع طرق ولكنهم أرادوا أن يعوضوا بعض ما فقدوه في مكة واستولت عليه قريش من أموالهم ومساكنهم ظلماً وعداوناً. أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قافلة قريش بقيادة أبي سفيان قد أتت من الشام قاصدة مكة (فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها)- أي يجعلها لكم نفلا- فخرجوا قرابة الثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
علم أبو سفيان بالأمر فاستطاع أن يفلت من اعتراض المسلمين لطريقه وأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى قريش يستحثها على الخروج لحماية أموالهم وتجارتهم . فخرجوا وعلى رأسهم عدو الله أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وصناديد مكة من المشركين في تسعمائة وخمسين رجلاً معهم الخيل والإبل والسلاح. ( وَلَو تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ). 42 الأنفال
ولم يكن المسلمون يريدون حرباً ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ) 7 الأنفال ولكنهم كانوا يريدون القافلة وما فيها من تجارة وأموال. والمواقف التي تقابل المرء على غرة هي التي تكشف معدنه بخلاف المواقف التي يتأهب ويعد العدة لها.
لذلك حينما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الموقف قد تحول من مجرد التعرض لقافلة أبي سفيان إلى حرب توشك أن تدور رحاها أراد أن يطمئن على جنوده. روى ابن هشام في سيرته عن ابن اسحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم استشار الناس فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن وقام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك. والله لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له الرسول خيراً ودعا له. ثم قال: أشيروا علي أيها الناس- وكأنما يريد الأنصار- وذلك أنهم كانوا عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة.
فلما قال ذلك قال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله! قال: أجل. فقال سعد: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق- وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، فلعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله.
وفي رواية: لعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض، فصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت.
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ثم قال: سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين. والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم.أهـ .
بذلك اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنوده وأنهم جميعاً يتجهون وجهة واحدة على قلب رجل واحد. فلم تكن هذه الكلمات الخطابية من الصحابة للإستهلاك وإظهار البطولة والفداء نظرياً وإنما نتيجتها في ميدان المعركة التي لم يبق على استعارها غير يوم أو بعض يوم ألا ما أعظم المبادئ وما أعظم الفداء!.
ولما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ونزل قريباً من بدر قال له الحباب بن المنذر بعد نزوله: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب المكيدة. فقال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل امض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فنعسكر فيه، ثم نغور ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أشرت بالرأي. ثم أمر بإنفاذه. فلم يأت نصف الليل حتى تحولوا كما رأى الحباب وامتلكوا مواقع الماء.
وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن الوحي فإيمانهم به وتسليمهم له أمر لا جدال فيه والقاعدة الشرعية الأصولية (لا اجتهاد مع النص) إنما أخذت من سلوك الصحابة رضي الله عنهم مع الوحي قرآنا وسنة.
* * *
ونزل المطر تطهيراً لهم وتثبيتاً لأقدامهم ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَام ).
واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً أعد له لقيادة المعركة. وكان يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني.. اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض) ويرفع يديه إلى السماء حتى يسقط رداؤه عن منكبيه والصديق يقول له: كفاك مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك.
وحينما جد الجد واصطف حزب الرحمن وحزب الشيطان برز من المشركين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة فخرج للقائهم فتية من الأنصار، فنادوا يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا. فقال: قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي. فبارز عبيدة عتبة وبارز حمزة شيبة وبارز على الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وكذلك فعل علي مع خصمه. وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الآخر فكر حمزة وعلي بسيفيهما على عتبة فأجهزا عليه واحتملا صاحبهما فمات.
حمى الوطيس واحمرت الحدق وتداخل الصفان والتقى الجمعان في أول معركة حقيقة بين قوى الخير وقوى الشر في هذا العالم.
قال ابن اسحق: خفق النبي علية الصلاة والسلام خفقة في العريش ثم انتبه فقال: (أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع).
* * *
إن المواقف التي شهدتها بدر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي بحق مواقف عظيمة تعبر عن صدق الإيمان ومضاء العزيمة واليقين دفاعاً عن عقيدتهم وحريتهم في عبادة ربهم في أمن وطمأنينة. روى مسلم في صحيحه أن المشركين لما دنوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض. فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟! قال: نعم، قال: بخ بخ. قال رسول الله: وما يحملك على قول بخ بخ؟ :قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج عمير تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.
إنها التضحية بالنفس والنفيس في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمة الله. إنه اليقين بالجنة. إن الأمم لا تحيا إلا بقدر ما قدمت من ضحايا في سبيل مبادئها. فما أحرى أمة الإسلام أن تفقه درس بدر لتعلم أنه الطريق إلى العلو والرفعة. لقد هزمت قريش شر هزيمة وقتل من صناديدها وقادتها سبعون رجلاً وأسر مثلهم أمام هذا العدد غير المتكافئ من المسلمين.. ولكنه الإيمان ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه ).10 الأنفال
وأنزل الله في كتابه (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ).123 آل عمران
ولقد استشهد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر رجلاً أسلموا أنفسهم لله فكانواً ثمناً لنصر عزيز جعله الله سبباً للتمكين للإسلام وعلو منزلته وبزوغ شمسه.
أما قتلى المشركين فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم فطرحوا في قليب بدر ثم خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم (بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس) ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : (يأ أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل ابن هشام: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا! فقال المسلمون: يا رسول الله أتنادي قوما جيفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع منهم لما أقول، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني.
لقد تنفس المسلمون الصعداء بعدما ذاقوا الأمرين من صناديد قريش الذين أراح الله منهم المسلمين. وفتح الله بذلك الطريق أمام سبيل الإسلام الجارف في شرق الدنيا وغربها وأصبح للمسلمين كيانهم ودعوتهم. فبعد غزوة بدر جاءت وفود القبائل المجاورة تعرض الدخول في الإسلام أو المهادنة.
* * *
وكان من مخلفات هذه المعركة سبعون أسيراً من المشركين فاستشار الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته في أمر الأسرى. فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة فهلا أخذت منهم الفدية فيكون ما أخذنا قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: والله ما أرى رأى أبي بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان (قريب عمر) فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء أئمتهم قادتهم.
يقول عمر: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان. فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : للذي عرض على (بتشديد الياء) أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض علي عذابكم أدني من هذه الشجرة (لشجرة قريبة) وأنزل الله تعالى ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ). 67-68 الأنفال وهذا الحكم الذي صدر من الله عز وجل في حقهم إنما كان- والله أعلم- لهم في الحقيقة ليسوا أسرى حرب عاديين ولكنهم مجرمو حرب وقطاع طرق شغبوا على الإسلام في مهده وأرادوا أن يتعقبوه في خارج مكة مطاردين له حتى يستأصلوه؟ ولعل في درس غزوة بدر ما ينفع المسلمين في حاضرهم المؤلم ومستقبلهم الذي نرجو أن يكون كريماً. ولعلنا نستلهم روح غزوة بدر بتكون لنا نبراساً يضيء الطريق في هذا الليل المظلم.
أسأل الله النصر والتمكين للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ).4 الروم

د. الوصيف على حزة

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 11 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ