أين المفر

أضواء من السيرة العطرة 3

 
عرض المقال
 
 
أضواء من السيرة العطرة 3
808 زائر
16-09-2010
د/ الوصيف علي حزة
أضواء من السيرة العطرة
هل نعي .. وهل نتدبر؟
بقلم: د. الوصيف على حزة
----------------------

لا يخفى على أحد أن دعوة الإسلام في مهدها لاقت عنتاً وحرباً شعواء. فقد آذى المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة إيذاء شديداً حتى اضطر أن يخرج مولياً وجهه شطر الطائف لعله يجد فيها من يفتح الله قلبه لهذه الدعوة. ولما ذهب إليهم وعرض عليهم الإسلام أغروا به سفهاءهم وصبيانهم فرموه بالحجارة حتى أدموا عقبه الشريف. فعاد محزوناً حيث توجه إلى الله بالدعاء المشهور (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين.. أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي. غير أن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك) رواه ابن اسحق.
اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلجأ إلى حائط ابني ربيعة. قال ابن اسحق (فلما رآه ابنا ربيعة ورأيا ما لقي من ثقيف تحركت له رحمهما فبعثا إليه مع غلامهما عداس النصراني قطف عنب. فلما وضع صلى الله عليه وسلم يده في القطف قال بسم الله ثم أكل ثم نظر عداس إلى وجهه وقال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. فقال له صلى الله عليه وسلم : من أي البلاد أنت وما دينك ؟ قال: نصراني من أهل نينوي. قال: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال عداس: وما يدريك ؟ قال ذاك أخي وهو نبي مثلي. فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها. قال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قالا له: مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا فقد أخبرني بما لا يعلمه إلا نبي. قال: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه.أهـ.
هذا المشهد من مشاهد السيرة العطرة يبين لنا كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصاً على دعوة الناس إلى الإسلام وتجشم في سبيل ذلك ما لا تطيقه الجبال الرواسي صابراً محتسباً. وقد قال الله تعالى في حرصه صلى الله عليه وسلم على دعوة قومه ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) 6 الكهف. أي لعلك تريد أن تهلك نفسك لعدم إيمانهم ولكن ليس هذا لك (إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد ) فحدد له ربه طريق الدعوة وأخبره أن حسابهم عند الله يوم القيامة.
وقد قص القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قصص الأنبياء السابقين ليسري عنه ويثبت فؤاده . قال تعالى: ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين )120 ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ) 13 إبراهيم.
وقال تعالى عن شعيب ( قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز ) 91 هود وقال عن إبراهيم ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا ءَالِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ) 68 الأنبياء وقال عن لوط مع قومه ( قَالُوا أَخْرِجُوا ءَالَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) 56 النمل.
ولم يقتصر أمر الابتلاء على الأنبياء والمرسلين بل شمل أتباعهم كل على قدر إيمانه. قال تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت.
وهكذا طلب النبي الكريم في دعائه رضوان الله فهو صلى الله عليه وسلم إن حصل عليه لا يبالي من أمر الدنيا شيئاً ، فتوجه إلى الله تعالى بهذا الدعاء ليطمئن قلبه وليواصل دعوته وسط هذا الجو الكئيب.
إن الناظر إلى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تعقبه سفهاء ثقيف يقذفونه بالحجارة ودمه ينزف ليخط في الأرض أطهر دماء كأني بصاحب الحق محاصر في هذا العالم.. تكالب عليه أهل مكة ورموه عن قوس واحدة وكشرت له الطائف عن أنيابها.. لكن الصبر عدة بلوغ الأمل .

وفي الحقيقة إن سؤالاً يفرض نفسه علي فأقول: لماذا خافت قريش من محمد بن عبد الله الأعزل الذي ليس له حول ولا طول؟ ولماذا خافته ثقيف بالطائف؟ أقول: إن قوة محمد صلى الله عليه وسلم تمثلت في هذه الطاقة الروحية الدفاقة التي تقذف في قلوب أتباع هذه الدعوة.. إنها قوة الهداية المستمدة من قوة الله. ولذلك انتشر الإسلام في أمم شتى ومجتمعات ذابت فيها حضارات فارس والروم وغيرها.. انتشر الإسلام بفضل قوته الذاتية التي فرضت نفسها على هذه المجتمعات حين أخلص الدعاة المسلمون في نشر دعوتهم.
وهذه المواقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. لو تأملناها لاستطعنا أن نقتبس منها ما يضئ لنا ظلمات ليل دامس أو يبصرنا بطريق الصواب في هذا العالم.. فإن من العجيب أن أتباع الشيوعية والمبادئ الهدامة والنظريات الفاسدة في عصرنا هذا يصبرون ويتجلدون في سبيل نشر مبادئهم. أليس الأولى بذلك دعاة الإسلام حملة مشاعل الهداية. فهل نعي وهل نتدبر؟

د. الوصيف على حزة

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 23 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ