تفسير سورة البقرة
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

حقيقة الإيمان في الإسلام (2)

 
عرض المقال
 
 
حقيقة الإيمان في الإسلام (2)
790 زائر
16-09-2010
بخاري أحمد عبده
نفحات قرآن
حقيقة الإيمان في الإسلام ( 2 )
بقلم / بخاري أحمد عبده
----------------------
بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا*أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا*وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)) [النساء: 150-152]
في سياحتنا السابقة خلال هذه الآيات رأيناها تكشف حقيقة الإيمان وعناصره في دقة تقطع الطريق على المتكلفين وتقرر وحدة الإيمان وأن الكفر بنبي كفر بالله ورسله، ورأينا تنديداً بملتاثي القلوب، وتهديداً للقائلين نؤمن بما أُنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم. وللمذبذبين المتأرجحين إشباعا للأهواء، أو تزلفاً للأعداء.
وقرأنا يومئذٍ قرآناً يشخص أدواء الكافرين، ودوافع حمقى المسلمين، ويسد على الإسلام ثغر الشر، ويشجب مشاعر الوهن والهوان. ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51)فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ … إلخ)) (1) [المائدة: 51 –56].
والآيات – كما ترى – توحي بأن الذوبان في الكافرين مثار فتنة، وسبب انهيار، وسبيل ارتداد. ولخطورة أمر الذوبان في القوى المضادة يهتم القرآن به اهتماماً بالغاً، ويجعل الاستقلال عنهم، والصلابة في مواجهتهم باب العزة وصنو الجهاد كما سيأتي إن شاء الله. وكما يُفهم من قول الله تعالى: ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً)) [التوبة: 16].
وتجنيباً لمخاطر التميع والذوبان، وكشفاً لمغبات الانفتاح للأعداء انفتاحاً يمكن من المداخل والمخارج،يقول الله تعالى في آية أخرى: ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ …))(2) [آل عمران: 118].
ورغم الوضوح البين، والخطة الرشيدة التي تبسطها الآيات تجد بين الأدعياء من بلى القرآن في صدره وتهافت كما يتهافت الثوب الخلق، فلم يعد يذكي فيهم الروح أو يثير النخوة، أو يضرم أحاسيس العزة. فهم لا يزالون يتحركون في الحفر حركات دودية – ومشاعر الذل تنتفض في أعماقهم – مستهدفين مبادئ الدين، وعقيدة المسلمين.
من ذلك ما قرأنا في طريق الهوان من كلمات مسمومة مسنونة تحت عنوان، الإسلام والأديان. يلوك صاحبها فكراً رم وبلى في أفواه المستشرقين، ويردد قول اليهود: أن محمداً نبي الأميين فقط، ويروج في الناس أن اليهودية والنصرانية ينجيان ويغنيان – فالأديان كلها عنده سواء، ومناط النجاة الإيمان بالله، والاستقامة، ولا فضل – معهما – لملة على ملة، ويحشد الكاتب آيات يلوي أعناقها لياً حتى تخدم هواه وتتبع وجهته.
يستقرئك قول الله: ((إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [البقرة: 62].
ويستشهد بقول الله: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)) [فصلت:30].
والمريب يكاد يقول خذوني. فلا تعجب إذا رأيت الكاتب يكشف عن سوءته ويعلل مذهبه بتلك الفلسفة التي تنم عن روح مسترقة هلوع.
يقول: إن المسلمين قلة أذلة، وإن الله قد حسب حساب مستقبل مظلم ينتظر المسلمين، وعمل على أن يجنبهم عواقب احتكاك غير متكافئ بالملل الأخرى، فأعلن ألا تكفير، بل تسامح، وتواد، ورضا ببوارق الإيمان التي تتاح، وبالاستقامة.
ورأيه أن الله بهذا الصنيع يحتال للمسلمين، ويقيهم صولات الأقوياء، ويكفل لهم أن يؤدوا رقصات النفاق بين القوى المضادة آمنين.
التدارؤ بالقرآن(3).
وأول ما تنكر في المقال التدارؤ بالقرآن. فقد روي عن عروة بن سعيد عن أبيه عن جده قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارءون في القرآن فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا. ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا. فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه (4).
وروى الدارمي في سننه بسند صحيح عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر رضى الله عنه: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن وحكم الأئمة المضلين.
والإسلام يرفض أن يهرف الإنسان بما لا يعرف لأن ذلك لا يفيد في أسمى أحواله إلا الظن والظن لا يغني من الحق شيئاً.
رُويَّ عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أيها الناس من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم. قال تعالى لنبيه: ((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)) [ص: 86] ((متفق عليه)).
والمتكلفون هم المتفيقهون الذين يتخرصون ما لم يؤمروا.
ومما ورد أن للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم. والذي لا شك فيه أن الكاتب يفتئت على الإيمان بالباطل إذ القرآن حسم هذه القضية حسماً، وصدع كل فكر هدام في آيات جلية المغزى، غنية عن التعليق. قال تعالى: ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) الأعراف: [156-158].
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قطع الأمر وزاد القضية حسماً بقوله: (( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) (مسلم).
والآيات التي لويت أعناقها لياً لتنسجم مع أهواء الأدعياء خلايا حية في الملك القرآني الزاخر بالحياة تدور مع نظيراتها في فلك القرآن متسقة، متعاضدة، متلاقية تلاقياً بناءً، وعروة وثقى لا انفصام لها.
وأي فصل بين هذه الآيات المتكاملة تقطيع للأواصر التي تصل بين الآيات لتدور كلها في فلك واحد،وتدعم بنياناً واحداً.
والقرآن الكريم يشجب التمزيق، والتفتيت، وينكر كل صنيع هدام.
وقد ندد الله بالمقتسمين الذين فصموا عرا الآيات وبغوا حين أعملوا بعضها وأهملوا بعضها وذلك قول الله:
((وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ*كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ*الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْءَانَ عِضِينَ*فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ*فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)) [الحجر: 89-94].
والمقتسمون – في رأي ابن عباس رضي الله عنهما – هم أهل الكتاب آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض فكأنهم بهذا التفريق جعلوه عضين (5) مزقا، والحق أن يظل وحدة مؤتلف الآيات.
ومن ذلك ما ترى من آيات في مقام آخر، فيها إلحاح على وحدة الإيمان، واستنكار لمحاولات التمزيق، وتنديد بمن فرقوا دينهم.
والقرآن حين يلح على مثل هذه المواقف إنما يفعل ذلك تقبيحاً، وتبصيراً للمسلمين حتى لا ينزعوا هذه النزعة فيمزقوا الأوصال، وينسفوا طوابق البنيان، وينقضوا عهد الله. ذلك قول الله ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ*وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ*ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ)) إلخ الآيات من [ البقرة : 83-86 ]
وواضح من الآيات أن الدين ليس إيماناً واستقامة فقط بل هو عبادات ومعاملات، وقيم، وغيبيات قد تخفى حكمتها وكلها لبنات فعالة في صرح العقيدة.

بخاري أحمد عبده

********************************
(1) لنا إن شاء الله لقاء كريم قريب مع هذه الآيات.
(2) ولنا إن شاء الله موقف آخر مع هذه الآيات.
(3) الدرء الميل والعوج، والتدارؤ التدافع في الخصومة والاستتار للختل.
(4) أحمد، وابن ماجه بسند صحيح.
(5) عضيت الشيء تعضية أي مزقته

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 11 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ