إتباع شرع الله
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

الإسلام في المعترك

 
عرض المقال
 
 
الإسلام في المعترك
1091 زائر
16-09-2010
د. محمد جميل غازي
الإسلام في المعترك
بقلم : الدكتور محمد جميل غازي
-----------------------------

أولاً - عاش الإسلام عمره المبارك بين زحمة الفتن والمحن، والأهواء والأرزاء، والجنود والحشود، والكيد والدس، والضلال والبهتان، والمذاهب والنحل والفلسفات.
واستطاع بنور الله وهداه أن يشق الطريق غير آبه ولا متخاذل ولا مستسلم، وقدر بعون اللَّه ومدده أن يمزق الغياهب والظلمات التي كانت تلقى على طريقه إلقاء، لتعوق خطوه الحثيث، ولتوقف سعيه الدائب، ولتوهن عزمه الحديد، وتمكن بتأييد اللَّه وإعزازه أن يفضح الأكاذيب وتجارها مهما زينوها، ورصدوا لإشاعتها المال والحياة، والدعاية والتبشير، وجندوا لحمايتها الأتباع والأشياع والمرتزقة.
لقد واجه الإسلام من أول يوم دوى فيه أذانه، وانطلق فيه نداؤه، مؤامرات لا تهدأ ولا تستكين، تحاول إيقاف مده، والقضاء على مجده؛ لأن في انتشاره اندحارًا " للوثنية" اللعوب التي فتنت عشاقها بكل زيف، وخدعت عبادها بكل بريق، فأقامت في القلوب معابد تسع كل شيء، إلا الله الذي خلق كل شيء.
معابد، عبد فيها الذهب والجنس والهوى والطغيان والطبيعة والشمس والقمر، والإنسان والشيطان.
ثم... نكست فيها أعلام التوحيد، وشارات الهدى.
لكنه على الرغم من عتو المؤامرات والمتآمرين وشراستهم، واستماتتهم في الدفاع عن معاقلهم الواهية، وحصونهم الهاوية، فإن الإسلام صمد كالجبل الأشم الذي تتحطم عند سفحه كل قرون الوعول.
وبقيت كلمته في خلد الدنيا.
تدعو الظماء إلى النبع.
وترشد الحيارى إلى الطريق.
وتهدي الضالين إلى الصراط المستقيم.
ثانياً - وحينما تذكر كلمة " الإسلام" فإن مؤرخي الحضارة وراصديها، يحنون الرءوس إعجابًا ودهشة لهذا الدين الفاتح الذي انتقل بالبشرية- فجأة وبلا إبطاء- من ذهولها المستغرق، ووجودها الخامل، ووهمها الخانق، وظلامها الدامس، وخوفها القاتل، وجوعها المضني، وذلها المدمر، إلى ساحات الحضارة والرقي والتقدم، وباحات الثقافة والمعرفة والرغد والإنتاج.
إن الإسلام هو الدين الفاتح، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من خير ومحبة ونور وسلام ومدنية وحضارة ومساواة.
وإن حملة الإسلام ودعاته الذين انطلقوا به من أرض إلى أرض، ومن صقع إلى صقع، لم يكونوا في يوم من الأيام جباة ولا مستعبدين ولا " تجار مخدرات"، وإنما كانوا رسل إنقاذ ويقظة للبشرية التي انتكست في هوة لا قرار لها من الذل والفوضى والضياع.
ثالثاً - وسيبقى الإسلام على الرغم من الحاقدين عليه، والكائدين له، والجاهلين به، يؤدي دوره في أرض الله، ويعلن كلمته في قضايا الناس.
وستظل شجرته مورقة مزهرة مثمرة، في الوقت الذي تذبل فيه أشجار كثيرة، وتموت، وتتلاشى، لأنها شجرة عملاقة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ولأن اليد التي غرستها وباركتها يد الله الرحمن الرحيم، وهي لهذا تستمد وجودها من وجوده، وبركتها من بركته إلا على أساسه وبنور منه.
رابعاً - والإسلام هو دين اللَّه الذي لا يقبل من أحد عملاً أو أملاً أو قولاً.
يقول اللَّه تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} آل عمران: 19.
ويقول: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} آل عمران: 85.
ويقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} المائدة: 3.
فهو دين الأنبياء جميعًا من لدن آدم، حتى محمد عليهما السلام.
هو دين نوح: {‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} يونس: 71، 72.
وهو دين إبراهيم وبنيه: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} البقرة: 130- 132.
وهو دين يوسف: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} يوسف: 101.
وهو دين موسى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} يونس: 84.
وهو دين سليمان، حيث يقول في رسالته لملكة سبأ: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}، وحيث تقول هي: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} النمل: 31، 44.
وهو دين عيسى وحوارييه: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران: 52.
وهو دين الأنبياء جميعًا: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ} المائدة: 44.
بل هو دين الأشياء كلها جمادها ونباتها وحيوانها وإنسانها: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} آل عمران: 83.
ثم هو دين محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته الخاتمة إلى الناس جميعًا في كل زمان ومكان، قال تعالى: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ} آل عمران: 20.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} الحج: 77، 87.
وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} الزمر: 11، 12.
خامساً - والإسلام دين الفطرة، له من الفطرة صفاؤها ونقاؤها ووضوحها وبساطتها، وهو لهذا يرفض الفلسفة لأنها لا تتفق مع طبيعته، والذين يفلسفون نصوصه يخطئون أشنع خطأ وأبشعه، لأنهم بهذا ينتقلون به وبنصوصه المبنية الخالصة المصفاة إلى متاهات والتواءات وتعقيدات وعمايات، يضل سالكها ولا يكاد يتبين سبيل الرشاد.
هذه هي الفلسفة، وهذا هو تاريخها الطويل، وهذه هي أسئلتها الثلاثة: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ ظلت حائرة في السطور والصدور، وظلت عبر العصور والدهور تبحث عن إجابة، ولا إجابة.
لقد عجزت الفلسفة عن أن ترشد الإنسان أو تهديه، فلماذا لا تفسح الطريق أمام الإسلام وآياته كي ينقذ الإنسان من حيرته، وينهض به من كبوته؟!
وإذا كانت الفلسفة تعيش في عماء لا ينتهي. فإن القرآن- كتاب الإسلام- يهدي للتي هي أقوم، وآياته البينات الواضحات ترشد إلى النهج الأسلم، والصراط الأقوم، يقول الله تعالى: {قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ} المائدة: 19.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} التوبة: 115.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} إبراهيم: 4، {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} البقرة: 256.
{وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} الأنعام: 55.
{قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} الأنعام: 57.
{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} البينة: 1.
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُون َلِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا} يونس: 15.
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ} الحج: 72.
{بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} العنكبوت: 49.
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ} سبأ: 43.
{فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ} غافر: 81.
{وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ} الجاثية: 17.
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا} [الجاثية: 25].
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} الأحقاف: 7.
{إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} يس: 69.
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} النحل: 89.
وإن تعجب فعجب، محاولتهم إخضاع القرآن وآياته البينات لفكر البشر، وتحميل نصوصه ما لا تحتمل من غيبيات وأوهام وأساطير وفلسفات وآراء.
وإننا إذ نرفض هذا السلوك الفكري، لا نحجر على عقول الناس، فإننا لا نملك هذا الحق.
ولكننا نريد أن نذود عن ديننا وعن آياته البينات.
ونطالب المتفلسفة، والمبتدعين من المتصوفة، وأصحاب المذاهب الكلامية والاقتصادية والاجتماعية الأصيلة والمستوردة، أن يحتفظوا لأنفسهم "بحقوق التأليف"، وألا يلصقوا حصادهم الفكري بديننا، فإننا لن نعبد إلا الله.
ولن نعبد الله إلا بكلماته وآياته وشرعه.
وعندنا من الحق ما يغنينا عن الباطل.
سادساً - وإذا كنا نرفض المتفلسفة والمتصوفة، فإننا أيضًا نرفض أن يتحول الإسلام على ألسنة بعض الجاهلين به إلى حشد هائل من الحكايات والخرافات والأساطير.
إن الخرافات قد أضلت كثيرًا من شبابنا، فصرفتهم عن الدين لأنهم حسبوا الدين هو هذا التحدي السافر للفكر والعلم والحضارة، ثم ألقت بهم في أحضان العقلانية والعلمانية، وما انبثق عنهما من مذاهب ونظريات جافة ومدمرة.
سابعاً - وبعد، فإن الداعية المسلم مطالب، بأن يعي ثقافة عصره، وأن يناقشها بوعي وفهم، وأن يدرس مشكلات الإنسان المعاصر، وأن يقدم لها الحلول.
والداعية المسلم- من قبل هذا ومن بعده- مطالب بأن يقدم دينه لأبناء هذا العصر، وأبناء كل عصر، صافيًا كما أنزله الله، هاديًا كما أراده، حقًا كما شرعه، نورًا كما أنزله.

محمد جميل غازي
   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 12 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ