الإخلاص في الدعاء

أسباب البدع ومضارها ( 1 )

 
عرض المقال
 
 
أسباب البدع ومضارها ( 1 )
1243 زائر
17-09-2010
محمود شلتوت - شيخ الأزهر السابق -
أسباب البدع ومضارها ( 1 )
لفضيلة الشيخ محمود شلتوت - شيخ الأزهر الأسبق
-------------------------


روى عن النبى صلى الله عليه وسلم كثير من الأحاديث الصحيحة تدور كلها حول التحذير من الابتداع ، ومن أشهر تلك الأحاديث : " من أحدث فى ديننا ما ليس منه فهو رد " وترجع البدعة فى واقعها إلى اختراع عبادة لم تكن معروفة عن النبى صلى الله عليه وسلم ولم يرد بها نقل صحيح ولا تدل عليها أدلة شرعية معتبرة ، فهى أولا خاصة بما يتعبد به . وإذن فلا ابتداع فى العادات ولا فى الصناعات ولا فى وسائل الحياة العامة .
إن الابتداع فى الدين له أسباب توقع فيه ، ومضار تترتب عليه ، وشأن العاقل إذا عرف مضارا لخطة ما ، أن يجتهد فى إبعاد نفسه عنها ، ويجعل بينه وبين الوقوع في أسبابها المفضية إليها وقاية تعصمه من الوقوع فيها ، وينعقد لذلك فصلان : أحدهما فى بيان الأسباب التى توقع فى الابتداع وفى انتشار البدع ، والآخر فى بيان المضار التى تترتب على الابتداع والعمل بالبدعة .
الفصل الأول
فى أسباب الابتداع
لا بد لكل شريعة يراد لها البقاء كاملة ، لا يعتريها نقص ، سليمة لا يلحقها تحريف ، من أن تعنى بمعرفة النوافذ التى يتسرب منها الخلل إلى الشرائع فتسدها وتحكم غلقها ، وبخاصة إذا كانت هذه الشريعة قد جاءت على أساس من العموم لتنظيم شعوب تختلف ألسنتها ، وتتباين عاداتها ، وتتعدد دياناتها التى كانت عليها من قبل .
وهكذا فعل النبى صلى الله عليه وسلم فى شريعته المطهرة ، فقدر وهو فى أول مراحله ، عليه الصلاة والسلام ، المداخل التى يمكن أن ينفذ منها الخلل إليها وينتشر ، فنهى عنها وحذر منها وبالغ فى النكير على من حام حولها .
وقد رأينا بعد الاستقراء ، أن المداخل الموقعة فى البدعة ، منها ما يوقع فى ابتداعها ، ومنها ما يوقع فى العمل بها وانتشارها ، وأن الشريعة عنيت بالأمرين وأشارت إلى أسباب كل منهما ، ووضعت لهذه الأسباب العلاج الذى لو أحسن استعماله لسلم الدين ونجت الأمة منها . وظل الدين نقيا سليما كما شرعه الله ، وكما بلغه رسوله ، ودرج عليه الأصحاب من بعده .
يرجع الابتداع إلى أسباب ثلاثة :
(أ‌) الجهل بمصادر الأحكام وبوسائل فهمها من مصادرها .
(ب‌) مسابقة الهوى فى الأحكام .
(ج) تحسين الظن بالعقل فى الشرعيات .
الجهل بمصادر الأحكام وبوسائل فهمها : مصادر الأحكام الشرعية كتاب الله ، وسنة الرسول ، وما ألحق بهما من الإجماع والقياس ، والأصل فى هذه المصادر التى يحكم على سائرها هو كتاب الله ، وتليه السنة ، ثم الإجماع ، ثم القياس . والقياس لا يرجه إليه فى أحكام العبادات ؛ لأن من أركانه أن يكون الحكم فى الأصل معلولا بمعنى يوجد فى غيره ، ومبنى العبادة على التعبد المحض والابتلاء الخالص . ومداخل الخلل الناشئة من هذه الجهة ، ترجع إلى الجهل بالسنة ، وإلى الجهل بمحل القياس ، وإلى الجهل بأساليب اللغة العربية ، وإلى الجهل بمرتبة القياس .
أما الجهل بالسنة : فيشمل الجهل بالأحاديث الصحيحة ، والجهل بمكان السنة من التشريع ، وقد يترتب على الأول إهدار الأحكام التى صحت بها أحاديث . كما يترتب على الثانى إهدار الأحاديث الصحيحة وعدم الأخذ بها . وإحلال بدع مكانها لا يشهد لها أصل من التشريع ، وقد نبه على ذلك حديث " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساً جهالا فسئلوا فأفتوا فضلوا " وجاء فيه أيضا حديث " ما من نبى بعثه الله فى أمته قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون سنته ويقتدون بأمره ، ثم تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " .
وأما الجهل بمحل القياس فى التشريع ، فقد نشأ عنه أيضا أن قاس الناس من متأخرى الفقهاء فى العبادات وأثبتوا به فى الدين ما لم ترد به سنة ولا عمل ، مع توفر الحاجة إلى عمله وعدم المانع منه ، ومن ذلك إسقاط الصلاة ، فإن أصحابها قاسوها على فدية الصوم التى ورد النص بها ، ولم يقفوا عند هذا الحكم بالجواز ، بل توسعوا فشرعوا لها من الحيل ما يجعلها صورة لا روح فيها ولا أثر لها .
والابتداع هنا من أغرب أنواع الابتداع ، فهو ابتداع لأصل الحكم واحتيال لإسقاط تكاليف الحكم المبتدع ، ثم اعتبار الأمرين البدعة والاحتيال فى إسقاطها من الدين - ويجدر بنا تسميته بالبدعة المركبة - يخرجان من عهدة التكليف ، ويترتب عليهما ثواب الله الذى أعده للذين آمنوا وعملوا الصالحات . وهذا نوع خاص من البدعة .
وأما الجهل بأساليب اللغة العربية ، فقد نشأ عنه أن فهمت بعض النصوص على غير وجهها ، وكان ذلك سبباً فى إحداث ما لا يعرفه الأولون ومن ذلك قول بعض الناس إن حديث " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على " يطلب الصلاة على النبى من المؤذن عقب الأذان ، ولم يطلب منه أن تكون بغير كيفية الأذان ، وهى الجهر ، فدل على مشروعيتها بالكيفية المعروفة ! ووجهوا دلالة الحديث على طلبها من المؤذن بأن الخطاب فى قوله صلى الله عليه وسلم لجميع المسلمين ، والمؤذن داخل فيهم ، أو بأن قوله ( إذا سمعتم ) يتناوله لأنه يسمع نفسه ، وكلا التأويلين جهل بأساليب اللغة فى مثل هذا ؛ فصدر الحديث لم يتناول المؤذن قطعاً ، وآخره جاء على أوله فلا يتناوله أيضاً . ومن ذلك أيضاً ما يزعمه آخر من أن المحرم من الخنزير لحمه دون شحمه ؛ لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم ، وهو ابتداع نشأ من الجهل بأن كلمة " اللحم " فى اللغة العربية تطلق على الشحم ولا عكس . ومنه أيضاً قول بعض المتكلمين إن لله ( جنبا ) بدليل قوله تعالى : ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) وهو ابتداع نشأ من الجهل بأن العرب لا تعرف " الجنب " فى مثل هذا التركيب بمعنى العضو المعروف فهى تقول : هذا يصغر فى جنب ذاك ، تريد بالإضافة إليه . قال الإمام الرازى فى تفسيره : القائلون بإثبات الأعضاء لله تعالى استدلوا على إثبات الجنب بهذه الآية . واعلم أن دلائلنا على نفى الأعضاء قد كثرت فلا فائدة فى الإعادة : وبعد أن ساق المأثور عند المتقدمين عن المراد بالجنب قال : واعلم أن الإكثار من هذه العبارات لا يفيد شرح الصدور وشفاء العليل فنقول : الجنب سمى جنبا لأنه من جوانب الشيء ، والشيء الذى يكون من لوازم الشيء وتوابعه يكون كأنه جانب من جوانبه ، فلما حصلت هذه المشابهة من الجنب الذى هو العضو ، وبين ما يكون لازما للشيء وتابعاً له صح الإطلاق ، ولاجرم فى إطلاق لفظ الجنب على الحق والأمر بالطاعة . قال الشاعر :
إما تتقين الله فى جنب وامق : له كبد حرى عليك تقطع
هذه جملة من الأمثلة يتضح بها كيف يأتى الابتداع من جهة الجهل باللغة العربية : مفرداتها وأساليبها ، وقد أجمع الأولون على أن معرفة ما يتوقف عليه فهم الكتاب والسنة من خصائص اللغة العربية شرط أساسي فى جواز الاجتهاد ومعالجة النصوص الشرعية والاقتراب منها .
وأما الجهل بمرتبة القياس فى مصادر التشريع وهى التأخر عن السنة ، فقد ترتب عليه أن قاس قوم مع وجود سنة ثابتة وأبوا أن يرجعوا إليها فوقعوا فى البدعة . والمتتبع لآراء الفقهاء يجد أمثلة كثيرة لهذا النوع ، وأقربها ما قاله البعض من قياس المؤذن على المستمع فى الصلاة على النبى عليه الصلاة والسلام عقب الأذان مع وجود السنة التركية التى قد علمت حكمها وأنها مقدمة على القياس ، مع أن حديث " إذا سمعتم المؤذن " يدل بأسلوبه على اختصاص المستمعين بالصلاة عقب الأذان 0
يتبع إن شاء الله .

محمود شلتوت

   طباعة 
1 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 16 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ