الولاء والبراء

أسباب البدع ومضارها ( 3 )

 
عرض المقال
 
 
أسباب البدع ومضارها ( 3 )
1097 زائر
17-09-2010
محمود شلتوت - شيخ الأزهر السابق -
أسباب البدع ومضارها ( 3 )
لفضيلة الشيخ محمود شلتوت - شيخ الأزهر الأسبق
--------------------------------

الأسباب المفضية إلى ذيوع البدعة : يرجع ذيوع البدعة وانتشارها بين الناس إلى أمرين شديدي الخطر على سلامة الأديان من التحريف والزيادة والنقص :
أولهما - اعتقاد العصمة فى غير المعصوم والآخر - التهاون فى بيان الشريعة على الوجه الذى به نقلت عن الرسول صلى الله عليه وسلم .
وكثيرا ما ترى الأول فيمن ينتسبون إلى طرق التصوف وأنهم يقرأون عن شيخ طريقتهم شيئا من الأحوال التى تنافى الأحكام الشرعية فيعتقدون أنها من التشريع الذى خص الله به عباده المقربين ، وأن شيخهم لا يفعل إلا حقا ، ولا يقول إلا صدقا ، والفقه للعموم وهذه طريقة الخصوص ، فيتبعونه فى كل ما يؤثر عنه من قول أو فعل على أنه الطريق المقرب إلى الله والموصل إلى رضاه .
وتراه أيضا فى أتباع الفقهاء يقرأون عنهم فى كتبهم ، ويعتقدون عصمتهم من الزلل ، فيتمسكون بكل آرائهم وإن وصلتهم الرواية الصحيحة عن رسول الله بخلاف رأى أئمتهم ، وقد أفرط الناس فى رفع مستوى العلماء ومؤلفي الكتب بالنسبة إلى ما خلفوه من آراء وأحكام ، واعتقد كل فريق أن رأى متبوعه هو الحق ، وقالوا : إنه لو كان الدين غيره لما استقر على توالى العصور ، ولأنكره من قبلنا من الشيوخ والأئمة ، وأنه لا حق لنا فى التمسك بالحديث يروى بخلاف رأى الأئمة والمدون فى الكتب ، لأنهم أعلم منا بالحديث وبمعناه ، فلا شأن لنا به ولا يصح أن نعدل إليه ونترك ما ألفناه من العبادة وكيفيتها .
سرى ذلك فى عقائد الناس فعملوا بالبدعة وتركوا السنة ، مبررين أعمالهم بكلمة مأثورة وضعها أرباب الابتداع لتكون سبيلا إلى ترويج بدعهم وهى " من قلد عالما لقي الله سالما " وقد فات هؤلاء أن التقليد المباح المطلوب شريطة الاستشراف إلى الحق ، والرجوع إليه ببينة وأنه ما من إمام إلا حذر من الاتباع وترك الحديث إذا صح ، وفاتهم أن هذه الطريقة قد أنكرها الله فى كتابه الكريم على من جعل اتباع الآباء والأسلاف أصلا فى الدين يرجع إليه دون سواه ، حتى ردوا برهان الرسالة وحجة القرآن بقولهم : ( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُهْتَدُون ) وفاتهم أيضا أن التعصب لرأى العلماء إلى هذا الحد نوع من اتخاذ غير الله ربا . وكان ذلك سنة أتباع الأحبار والرهبان ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه ) وفاتهم أن الإجماع الذى عد مصدرا من مصادر التشريع يجب اتباعه . ويتصل بهذا أيضا الخطأ فى فهم معنى الإجماع الذى عد من مصادر التشريع الإسلامى ، فقد يقع فى أفهام كثير من الناس أن عمل الجمهور وبخاصة إذا اتفق توارثه عن أجيال سابقة ، وعم العمل به جميع الطبقات فى المساجد والمجتمعات وأندية العلماء ، من إجماع الأمة التى ورد أنها لا تجتمع على ضلالة فلا يجوز مخالفته ولو ظهر ما يخالفه ، ومن هنا يشتد تمسكهم بالبدع بل بالمحرمات بحجة أنها أشياء مأثورة وقد رآها العلماء وخالطوا أهلها ولم ينكروها ، فدل على أنها الشرع وغيرها الضلال المبين . وقد انتشر عن هذا الطريق كثير من بدع المساجد والموالد ، وإحياء الليالي ، والاستئجار على الختمات والتهاليل و التسابيح إلى غير ذلك مما هو معروف بأنه دين والدين منه برئ .
أما ثانيهما - وهو تهاون العلماء فى بيان الشريعة فإثمه على العلماء الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يبينوا للناس ما نزل إليهم ، وقد أهمل جمهور العلماء من زمن بعيد هذا الواجب الدينى العظيم الذى يتوقف عليه بقاء الشريعة سليمة نقية من الأدران - أهملوه - إما ضعفا وخوفا من تألب العامة وغضب الخاصة ، وإما مجاملة للعظماء والحكام ، وإما تهاونا بأصل الواجب وجريا على قاعدة " دع الخلق للخالق " التى يبررون بها إحجامهم عن البيان . وإما تواكلا ، نظرا إلى أن البيان واجب كفائي قيام البعض به يسقط وجوبه عن الباقين .
ولما سكت العلماء وألف الناس منهم ذلك السكوت عن كل ما يفعلونه ، ظن العامة أن ما يفعلونه دين وشرع ، وربما جاراهم بحكم الإلف والعادة العلماء فيما يفعلون وبذلك صار ردهم عما ألفوا من البدع إلى ما تركوا من السنة شاقا على من يحاوله ؛ لأنهم يرونه إحداثا جديدا فى الدين لم يعرفوه ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
ولقد كان للعلماء من تحذير الله ، ترك البيان وإهمال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما يدفع بهم إلى مكافحة البدع كلما ذر قرنها ، والعمل على حفظ السنة كلما هبت عليها ريح عاصف ، ونرجو أن يكون من هذا ما ينبهنا إلى واجبنا وينقذنا من هول ما نحن فيه . هدانا الله إلى صراطه المستقيم .

محمود شلتوت

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 23 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ