ق
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

من وحي الهجرة: في مدارج القوة بين المنطلق والغاية

 
عرض المقال
 
 
من وحي الهجرة: في مدارج القوة بين المنطلق والغاية
953 زائر
17-09-2010
غير معروف
بخاري أحمد عبده
من وحي الهجرة:
في مدارج القوة بين المنطلق والغاية
بقلم: الأستاذ بخاري أحمد عبده
عضو مجلس إدارة أنصار السنة المحمدية بالإسكندرية
--------------------------

لا خلاف في أن الهجرة منطلق المسلمين ، فهى تمثل بحق طور الحركة في الكيان الإسلامي ولا خلاف في أن غاية المسلمين يوم الكمال والنعمة الغامرة ونصر الله والفتح {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} المائدة .
والمرحلة التي سبقت الهجرة مرحلة شحذ وشحن بالقوى ، واختبار للمعادن ، وتطعيم ضد المخاطر وجلائل الأحداث التي عاناها المسلمون في مسيرتهم المضنية نحو القمة الشماء نصر الله والفتح - فهى إذن - رغم ما تحوي من ضنى - مرحلة حيوية أرسي فيها حجر الأساس . ولقد لاقى المسلمون في هذه المرحلة عنتا أي عنت ، ولكن تلك المعاناة أكسبتهم منعة ومنحتهم قدرة على الصمود وصبرا .
والهجرة باعتبارها ذكرى حفلت بالتضحيات ، وحركة أفضت إلى القوة والمنعة والكمال - منارة تبث إشارات هادية دفيئة لأمة اجتاح فلكها ريح عاصف ، وباتوا يعانون الظلمة والأمواج ، وأطبقت عليهم أحداث الضياع وآصار الغفلة وسنا البرق الخلب .
وهداياتها تورث الدفء لمسلم القرن العشرين المرتعد المغرور يتلفت حاديه نحو الشرق تارة فيؤخذ بالوميض الكاذب ويصيح بأهله إنى آنست نارا لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ويتلفت نحو الغرب تارة فيؤخذ بالبرق الخلب ويصيح بأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ، هى نور لأمة استحدثت في حياتها أعيادا تتوهج ولا تضيء وتبرق ولا تغيث شأن الأمم الضعيفة تستكثر من الأعياد لتفرغ في ضوضائها ما تحمل من كبت وقهر وذل ولتنسى في خدرها ما تعاني ، وتنفس بهرجها عن نفسها . هكذا تستيقظ المشاعر فجأة ردحا من الزمن ثم تخبو كالشهاب ضوؤه ساطع ومآله إلى رماد . وليست العبرة بقوة الانفعال ولكن باستمراره .
وبقدر ما تبعد الأمة عن الحقائق يكون غرامها بالمظاهر وشغفها بالصخب والضجيج . والأمة القوية تجرد من تاريخها كبرى الذكريات لتؤدى التحية لما تحوى أيامها من قيم وتبعث من مثل تحدوهم في مسيرتهم وتحيى فيهم الآمال وتفجر الطاقات وتهدي إلى الطريق . فالحق أن ذكرى الهجرة - وان أضحت في دنيانا أخبارا تروى وأقاصيص تتردد بلا روح - تحفل بالحقائق والأمثلة الرائعة والتوجيه الكريم والقوة التي هى غاية المسلمين من كل حركة ، والتي واكبت هذا الحدث العظيم .
فكلنا يعلم أن قد {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث} آل عمران .
ولا نزاع في أن الانسلاخ من هذه الشهوات يتطلب إيمانا بما عند الله من حسن المآب وعلما بحقيقة متاع الحياة الدنيا . كما يتطلب جهدا خارقا وقوة معجزة تقهر النزعات الهووية وتطمر النزوات الشهوية .
وهنا تتجلى آثار التربية التي تولى الله بها رسوله والمسلمين في سنى السكون والصمود فقد شحنوا بإيمان فياض ، وانتصبوا بذلك فوق أرضية صلبة ، وتخلصوا من شرك الشهوات وانطلقوا بعقيدة نقية ، حرية بأن تذيب العقبات وتتجاوز بهم الموانع .
وبهذه التربية تحقق للمسلمين حجم معين أمكنهم به أن يعتلوا أسوار الضعف ويشرفوا على مرابع القوة ويتحركوا وكانوا من قبل يشكون إلى الله ضعف القوة وقلة الحيلة والهوان على الناس وفي هذه المرحلة المبكرة مرحلة التربية والاعداد كانت نفوس القوم تمهج من آي القرآن تشتد أعضادهم بدسمه ، وتحتد أبصارهم بهديه ، وتثبت أفئدتهم وتطمئن بوعود السماء التي توالت منجمة في جرعات تناسب المقامات المختلفة فيها شفاء ورحمة للمؤمنين ، {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ، كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا} .
تربية النفس
ويهمني - قبل أن نخوض غمار الآيات المربيات - أن أقرر أن الإسلام الذي عم ضوؤه الآفاق ارتبط بغارين نفذ منهما إلى مرحلتين متميزتين ، اختصت كل مرحلة بلون من ألوان التربية .
فالدين الذي أرسل الله به رسوله ليظهره على الدين كله كانت حراء مشكاة لنوره ، وكان غار ثور مشكاة أخرى أو محطة تقوية عكست الأضواء حتى عمت جنبات المدينة من خلال هاتين المحطتين سطع الحق وظهرت الكلمة .
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في كلا الغارين يعتزل الناس ويركن بكليته إلى الله ويجتنب المادة ويوجه طاقاته كلها إلى الروح ويخرج منهما مشحونا بالقوة محفوفا بالرعاية موقنا أن الحول كله بالله وأن النصر كله من عند الله .
وحتى يقر هذا المعنى في فؤاده من أول وهلة ، وكي ينمو جذع الدعوة قويا مطمئنا نرى قرآن حراء في سورة العلق - وهى أول ما نزل في قول الأكثرين - يشيد بالاء الله وقدرته وقواه الغالبة الضاربة .
فالله في سورة العلق يستفتح استفتاحا يجمع معاني التربية والقدرة ويجلى جوانب القوة التي يكلأ الله بها هذا الدين ، ويثير غرائز التطلع والمعرفة فيمن يتلقونه ، ويرتفع برسوله إلى حيث يرى الناس أقزاما ضعفاء أصلهم علق {اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم} وكما يدفع إلى التفكير والبحث والاستقصاء ما أمكن الاستقصاء عند الإشارة إلى الخلق والإنسان والعلق . يقف رسوله على الطبيعة الوعرة في هذا الإنسان وعلى ضوء هذه المعرفة يستطيع أن يحدس ويحزر [الحدس: التخمين ، والحزر: التقدير والحرص] أعداءه ، ويعد الدواء ويحدد الأسلوب الذي يتعامل معهم به {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} .
ثم يرفع أمام الأنظار مثلا من أمثلة الطغاة المستغنين متعجبا مستحمقا منددا بالطغيان . حتى إذا وضحت الصورة شجبها بقوته وجبروته وأحاطها بالصيحة التي تتخلع لها الأفئدة {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، أرأيت ان كان على الهدى أو أمر بالتقوى ، أرأيت إن كذب وتولى ، ألم يعلم بأن الله يرى} ثم تأتي السفعة الآخذة المؤدبة {كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية} .
وهكذا يربي الله رسوله على الاعتزاز بالله والثقة بالعاقبة والاطمئنان إلى الركن الشديد يؤويه {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوى عزيز} المجادلة .
ومن ذلك أن الله يبسط أمام رسوله أسباب الخير فيوقن أن يومه خير من أمسه ، وأن غده خير من يومه وأن الله يدرج به في مراقي الكمال حتى ينتهى إلى الخير المطلق {وللآخرة خير لك من الأولى ، ولسوف يعطيك ربك فترضى} . وبذلك يكون على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه وحتى تتأصل جذور هذا الإحساس فيه يسوق له شواهد من نفسه وبراهين من حاله {ألم يجدك يتيما فآوى ، ووجدك ضالا فهدى ، ووجدك عائلا فأغني} .
ويوحى إليه فيما يوحى أنه مشمول بالعافية ، وأن عسره إلى يسر ، وشدته إلى رخاء ويؤكد ذلك بما يلمسه في نفسه {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك . الذي أنقض ظهرك . ورفعنا لك ذكرك . فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} .
وهكذا تنبسط تحت أقدام المؤمنين أسباب الثقة بالمستقبل المحمود ، طبقا لقالة الله ورسمه ووعده {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ، انهم لهم المنصورون ، وان جندنا لهم الغالبون ، فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون ، أفبعذابنا يستعجلون . فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين . وتول عنهم حتى حين . وأبصر فسوف يبصرون} الصافات . أترون الله يمهد بكلمتي (تول) للهجرة وبألفاظ الإبصارإلى ما تحقق بالهجرة؟



   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 13 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ