سعد بن سعيد الغامدى
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ...) - 1 -

 
عرض المقال
 
 
قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ...) - 1 -
1311 زائر
18-09-2010
غير معروف
بخاري أحمد عبده
نفحات قرآن
بقلم بخاري أحمد عبده
-----------------


قال تعالى:-
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ(1)كَمَا كُتِبَ(2) عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ (3) مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ(4) فِدْيَةٌ(5) طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ(6) خَيْرًا فَهُو خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ(7) رَمَضَانَ(8) الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(9) يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا(10) الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا(11) اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ(12) تَشْكُرُونَ ) 185 البقرة بنفوس رمضت من هجير الحياة، وحمت (13) (بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحة) بالجوى(14) والأجواء التي تتعاقب على دنيا المسلمين وخيمة (15)، خانقة، نستقبل برد هذه الآيات قانعين بالأرواح، حسبنا أن نقبس (16) منها القبسة، ونستروح(17) النسمة بل النسمات التي تحمل في تضاعيفها السنى، والسناء، والطهر، والإيمان.
ولقد عولجت هذه الآيات حتى ظن (بالبناء للمجهول) أنها استفرغت (بالبناء للمجهول) وأن معانيها استبانت وانتثلت (بالبناء للمجهول) فلم يعد هناك مزيد لمستزيد، ولكنه القرآن، لا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد. فهو بحكم كونه يخاطب ذوي البداوة السطحيين، وذوي الوعي الفطنين، وذوي التجارب من المتأخرين ودعاة العلمانية والمادانية المفتونين المغرورين: لا تنفد معانيه، ولا يجذ (18) (بالبناء للمجهول) عطاؤه.
ينهل كل جيل من فيضه الزاخر بقدر حجمه، ويعب كفاء خبراته وعلمه. فكلمات القرآن ستبقى حافلة بالمعاني، جامعة للهدى، مدداً ثراً غزيراً إلى يوم القيامة. كالشمس ترسل من شعاعها ما ترسل كل يوم. ولكن انتفاع الناس بأسرارها، وأضوائها، وطاقاتها يختلف من جيل إلى جيل إلى جيل. كذلك القرآن وصدق الله ( وَلَو أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم ) 27 لقمان.
بيئة الآيات الكبرى تطهر، وتحرر، وتبنى
والآيات تشكل قطاعاً في سورة البقرة التي تولي اهتمامها للمسلمين وقد تركزوا في المدينة جماعة مستقلة تبذر بذورها، وتعمق جذورها، وتعلى فروعها، وتمد ظلالها، وتتطلع كي تنشئ دولة فينانة طيبة الجنى،مهيبة، ذات شوكة . دولة تصمد أمام تحديات أهل الكتاب بكل ما جبلوا عليه من مكابرة وحقد وحسد، وتحريف للكلم، وقلب للحقائق، وغزوٍ للأفكار التي طالما انخدعت بهم وتأثرت بأكاذيبهم باعتبارهم أهل كتاب وعلم.
فالسورة تهتم أولاً بنزح مخلفات اليهود العفنة التي تراكمت على عقول العرب. ثانياً بهز الصورة الكاذبة التي انطبعت في أدمغة العرب عن اليهود. ثالثاُ نهتم بأن تحل (بضم التاء وكسر الحاء) محل الأباطيل والترهات التي غزا بها اليهود أفكار العرب الرازحين تحت وطأة عقدة الأمية التي استغلها اليهود أسوأ استغلال.
وتحقيقاً لهذه الغاية دأبت السورة على تناول أهل الكتاب، وإسقاط أقنعتهم، وفضح ألاعيبهم، وكشف زيفهم، ونبذ مواقفهم، وتعرية تاريخهم، وتجريدهم من الهالات الكاذبة التي أحاطوا بها أنفسهم.
وهكذا تتحرر العقول من آثار الغزو الفكري الذي مارسه اليهود ضد العرب سنين طويلة وقروناً وكذلك تستخلص العبر مما حاق بهؤلاء، وتتهيأ كي تستوعب حقائق الإسلام، وتنتفع بنفحات القرآن، وتشريعاته التي اقتضاها وضع المسلمين الجديد، وتميزهم أمة مستقلة ذات منهج قويم، ومقصد سام.
وخلال ذلك تجيء آيات تجلو العقيدة وتعمق جذورها. وآيات تنحت من التاريخ، وآيات تعرض من مشاهد القيامة، وآيات تشير إلى أصول العلم، وأخرى تتحدث عن علل النفس، وتتتبع حركات الملتوين المنافقين. وكل هذه الهدايات التي حفلت بها السورة تتضافر على إعداد المسلم، وتربيته حتى يمارس دوره القيادي على الأرض: خليفة ، ثاقب الفكر، بعيد النظر ، يتحرى الأصلح، ويكسر كل الحواجز التي تعوق استتباب السلام. حتى يتبوأ المقام الأسنى والمحل الأرفع. ويتهيأ للكمال المقدر له في الدنيا، والآخرة. حتى يجتاز، ويدرج نحو مقام الشهادة. مقام خير أمة أخرجت للناس.
سورة البقرة إذن.
1- تنزح ما تراكم في العقليات، والقلوب من قيم، ومفاهيم ورؤى ما أنزل الله بها من سلطان.
2- تنسف قواعد الذين استعمروا يومئذ عقول العرب، وانتصبوا في أعينهم، وقلوبهم أوثاناً تضل، وتبهر.
3- تجلو الأوعية التي ظلت زماناً منطوية على قاذورات اليهود حتى تنظف تماماً، وتطهر، وتعكس.
4- تشحن هذه الأوعية بقيم الإسلام، وتقيمها على منهج الإسلام، وتغذوها بحقائق الإسلام.
تلمس كل هذا في يسر وأنت ترجع بصرك- متمعنا- في آيات السورة الكريمة وهي تقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق. وتناديهم، وتناقشهم فيما يثيرون، وفيما يزعمون، وتورد من مواقف الخيانة والكفران والإجرام ما يدين السلف، والخلف. واقرأ من قول الله:- (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ …..40 البقرة إلى قول الله:- لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ …… الخ) 177 البقرة صفحات اتهام طويلة ينشرها القرآن ورغم هذا وقع العرب في الشراك، وسقطوا نهب الأظفار، والأنياب.
البيئة الصغرى:
وآيات الصيام ترد ضمن آيات تكون قطاعاً متميزاً من قطاعات السورة. قطاعاً يتناول المجتمع الجديد الذي تكامل، ونما، وازدهر في المدينة المنورة، ويتضمن هذا القطاع شرائع جنائية، وأحوالاً شخصية، ومعاملات مالية، واجتماعية، وأوامر تعبدية، وكلها تنبثق من التقوى، وتحفز نحو مزيد من تقوى.
تلمس هذا وأنت تقرأ من قول الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ 178 البقرة إلى قوله سبحانه: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )البقرة 188. وتلمس- وأنت تقرأ- عنصر التقوى ينعش بين الآيات كما تنعش النجوم، ويربط بينها بالرباط الوثيق. فعلة القصاص التقوى ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) 178 البقرة والحامل على الوصية التقوى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين ) 180 البقرة وعلة الصيام التقوى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) والهدف من التبيين التقوى (…..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ويؤازر التقوى- في عملية الربط - خصال هي في حقيقتها أقباس من التقوى ( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) ( لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) .
وتحس- وأنت تقرأ- أن روح التحرير تتغلغل في هذا القطاع الأصغر تغلغله في ذلك القطاع الأكبر، تحسها في القصاص الذي يستأصل المولى به شأفة الإجرام من نفسك كي تتحرر من وطأة الشر، وضغوط الشيطان، وتحكم الغرائز الدنيا.
وتحسها في الوصية (19) التي تحطم بها أغلال المادة وأطواق الأثرة، والانفرادية.
وتحسها في الصيام تقهر به الشهوة وتتحرر من استعباد المعدة، ونزوات المزاج، وشرك الشيطان.
حق الشهر الكريم:
وكمنهجي في النفحات- لست أنوي تناول الأحكام، والمعاني المباشرة التي تسخو بها آيات الصيام، فقد كفانا مئونة هذا أفذاذ لا يشق لهم غبار، ولم تعيهم شاردة أو واردة. فوق أن كثيراً من المسلمين يتقربون إلى الله في هذا الشهر الكريم بنشر كل ما قيل في حق الآيات، وفي شأن الصيام ومنهجي الأثير أن أقرأ، وأقرأ، فإذا انطبع في وجداني معنى، أو هز فكري خاطر، أو ألقيت في روعي نفحة.. تهيأت لها وتصيدت، وقيدت.
ولكني- وفاء بحق الشهر، ومجاراة لغيري، وإشباعاً للرغبات المتطلعة- سأسوق معاني مجملة موجزة للآيات ثم أعود بعدها إلى منهجي الأثير.
1- يجبهك- من أول وهلة- نداء الإيمان . والنداء بصفة الإيمان. حري أن يثير في المؤمنين كل قوى الإيمان وأن يهيئهم
لما وراء النداء من تكاليف ثقيلة على من لم يتدرع بالإيمان، وأن يحشدهم تحت ظلة الإيمان جماعة متكاملة، متعاونة متوالية. وإيحاء بأن رابطة الإيمان هي القوة العاصمة الدافعة للمجتمع الإسلامي الوليد كانت كل الآيات التي بدأت بهذا النداء ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ) آيات مدنية نزلت في المدينة بعد أن انتظم عقد المسلمين وتكونوا أمة متميزة ذات كيان، ومنهج، وأهداف عليا. فكأن النداء بوصف الإيمان يشي بالمسئولية الجماعية التي تحتم التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، والتعاون على البر،والتقوى.
2- وبعد الاستجاشة، وتهيئة الجو النفسي الملائم- بنداء الإيمان- يعلن المولى فرضية الصيام، ويهون عليهم فيذكر أن
هذا سنة الله في الأمم ( كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) والإشارة إلى الأمم السابقة التي ابتليت بالصيام.. فيها تنشيط للأمة كي ينافسوا غيرهم ويسارعوا إلى جميل الخلال، وحميد الخصال. وإيقاظ روح التنافس، والاستباق بهذا الأسلوب يهون من الآصار والتكاليف، ويجعل الأمر حبيباً إلى النفس- وإن كان شاقاً.
وإثارة روح الاستباق لا تدل على أن ميدان التسابق يتشابه في كل نواحيه بل تدل فقط على وحدة الهدف (التقوى، والظفر بالرضوان) فلأولئك منهج وكيفيات، ولنا منهج، وكيفيات،( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَو شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون ) المائدة.
والمولى الذي بوأ هذه الأمة مكانة تعلو على كل الأقدار (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)110 آل عمران ورفعها حتى احتلت مستوى الشهادة على الناس ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) 143 البقرة. لا يرضى منا إلا أن نكون السابقين السابقين، والسبق في منازل الآخرة لا يتأتى بالتفريط في أنصبائنا من الدنيا: فيا ويل المسلمين إن حشروا إلى الله عجافاً مريشين (2).
3- وغاية المستبقين التقوى. والصيام على النحو الذي أمر الإسلام به من أهم أسبابه إذ فيه:-
1- امتثال الأمر الرباني، واجتناب النواهي الإلهية، ومخالفة النفس بالامتناع عن المشتهيات انصياعاً وزلفى، ورجاء،
وخوفاً.
2- والصوم تدريب على المراقبة، والصبر عما تجنح إليه النفوس، وهما يعينان على تبين الطريق، وتحمل المشاق التي
تزخر بها طرائق التقوى.
3- والصوم بحقائقه، وآدابه يضيق مجاري الشيطان، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وكل همه أن يعوق ويقطع
طريق السالكين إلى الله. والصوم- فوق ذلك- يحرك كامن العطف، ويغري بالطاعات. والطاعات تقوى، ومدارج إلى مزيد من تقوى. والحق أن الصوم تربية لأنواع القوى التي يتسلح بها المؤمن فالمؤمن في أوج قوته يكون في أوج تقواه، فبين القوة، والتقوى تناسب طردي (إذا زاد أحدهما زاد الآخر…).
إن الصوم يكبح جماح الأعضاء المنطلقة مع رياح الشهوات ويفطم النفوس الأمارة عن المألوفات، ويعدل القوى الدنيا، ويعليها، ويوجهها نحو ما يزكيها، ويسعدها في الدارين. فهو- بهذه المعاني- رياضة، وجنة، وإيثار خالص لما عند الله.
ولذا كان-من دون العبادات- خالصاً لرب العالمين (الصيام لي، وأنا أجزي به).
والصوم - بهذا العطاء الجم- رحمة، وإحسان، ونفحة، ومنحة إلى الناس من رب العالمين.
4- والصوم بعد ذلك أيام معدودات هي أيام رمضان. ولم يكلفنا الله بصوم أشهر، أو سنوات، ولم يفرض علينا
صوم الدهر. فما أهون الأيام التي تحصر، وتعد، ولاسيما إذا قورنت بالمصالح الجمة التي تنجم من الصيام، والمولى- زيادة في التهوين- يستعمل جمع القلة(1) (أيام) إيحاء بأنها قليلة لمن استغرق مخلصاً وانشغل بتحقيق هداياته، وتحري كمالاته. فإنه يستقبل الشهر، وسرعان ما يودعه متعجباً من سرعة انطوائه.
5- والصوم في غمرة هداياته خفيف الظل، يسير. والمولى لا يكلفنا عسراً، ولا يحمل علينا إصراً، بل لا يفتأ سبحانه
ييسر، ويخفف، ويشد الأزر حتى تهون التكاليف علينا، فلا عجب إذا راعى
أ - جانب أولئك المتلبسين بالمشاق من مرضى، ومسافرين. فرخص لهم أن يفطروا ويقضوا أياماً بقدر الأيام التي أفطروا
فيها.
ب - بل لا عجب إذا تدرج الله بالناس ففرض الصيام في أول الأمر اختياراً. من نشط صام، ومن لم ينشط أفطر، وأطعم
عن كل يوم مسكيناً. حتى إذا دربت النفوس وتهيأت، وألفت القلوب، وتعلقت.. تقررت حتمية الصوم بقوله سبحانه ِ ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) 185 البقرة وقد كان كتب قبل اختياراً بقوله سبحانه (.. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) 184 البقرة فنسخ الحكم بالنسبة للأقوياء الأصحاء القادرين. وبقى في حق الشيخ، والشيخة.
6- والشهر بعد هذا عظيم ، ومن جوانب عظمته اختياره ليكون شهر القرآن وما أدراك ما القرآن؟ فكأننا حين نصوم هذا الشهر
أ- نمتثل لأمر الله.
ب- ونحتفل بالقرآن وهداياته وبيناته.
ج- ونتزود لأيام العام، وسنى العمر. ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) 185 البقرة.
7- وحتى لا يظن أن حكم نسخ التخيير الذي كان ينسخ أيضاً رخصة المسافر والمريض أعاد- بعد أن قرر حتمية
الصوم بـ ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) أعاد سبحانه أمر الرخصة الممنوحة لهما تأكيداً ودفعاً للوهم.
8- وأعلن المولى- هنا- صراحة قانون التيسير. هذا القانون الذي تضمنه كثير من المواقف الإسلامية والأوامر الإلهية
ثم ذكر صراحة في مثل قوله سبحانه ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ).
9- والمولى حين يفسر الأيام المعدودات بشهر رمضان، وحين يأمر المريض والمسافر بقضاء عدة من أيام أخر، إنما
يهدف إلى إتمام النعمة بإكمال العدة.
وحين يعلمنا هذا التعليم الشامل المحيط بكل جوانب الصوم يضطرنا إلى التكبير، والتنزيه، والإجلال.
وحين يرعى جوانب الضعف فينا نحن البشر، حين يشرع، وحين يرعى الظرف فيخفف، ويرخص، يضطرنا إلى أن نحمده ونشكره.

بخاري أحمد عبده
يتبع >>>>
* * * * * * * * * * * * *
(1) الصوم لغة مطلق الإمساك عن الشيء. وشرعاً هو الامتناع عن شهوتي البطن والفرج بنية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكمال الصوم في اجتناب سائر المحرمات، والتحلي بآداب الإسلام.
(2) التشبيه في أصل الوجوب، بصرف النظر عن الكم، والكيف، والوقت.
(3) عليه أيام عدد ما فاته تقضى في وقت آخر.
(4) الإطاقة القوة والقدرة عليه مع مشقة جسدية أو نفسية، أو بلا مشقة فتكون بمعنى (الوسع) والوسع القدرة مع السهولة.
(5) الفدية مال ونحوه يجبر به الإنسان تقصيراً وقع منه في عبادة من العبادات.
(6) بأن زاد فأطعم أكثر من مسكين أو تطوع فأطعم من غير تقصير أو إخلال بواجب .
(7) من الشهرة والظهور.
(8) الرمض، والرمضاء شدة حر الشمس قال الزمخشري: عند تسمية الشهور وافق هذا الشهر أيام رمض الحر، فسمي رمضان.
(9) أوثرت كلمة (أخر) على كلمة (أخرى) دفعاً لما قد يتوهم من أن (أخرى) نعت (لعدة) وحينئذ يلتبس المقصود بغيره.
(10) في العبارة. إشارة إلى أن صيام رمضان لا يحصل المقصود منه إلا باستيفاء العدة كلها. هذا فوق أنها علة الأمر بمراعاة العدة.
(11) ولتكبروا: علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر.
(12) لعلكم تشكرون علة الترخيص، والتيسير. قال الزمخشري: شرع المولى جملة ما ذكر من : أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المسافر والمريض بمراعاة عدة ما أفطر فيه، ومن الترخيص في إباحة الفطر شحذاً للهمم ودفعاً نحو الحرص، وتوفيراً لفرص الشكر، وإطلاقاً للألسنة كي تلهج بالتعظيم، والتكبير.. هذا، ويدخل في التكبير: التكبير الذي نمارسه منذ رؤية هلال شوال إلى الفراغ من خطبة العيد.
(13) أصيبت بالحمى.
(14) الجوى= الحرقة.
(15) سيئة
(16) قبس، واقتبس، أخذ واستفاد.
(17) نستروح: نتشمم.
(18) لا ينقطع.
(19) كان ذلك قبل آيات المواريث التي حددت الأنصباء ونصت على حق الوالدين وغيرهما. ومن ورث فلا وصية له ويبقى النص قائماً بالنسبة لغير الورثة من الأقربين.
(20) مسلوخين.
(21) جمع القلة يستعمل فيما دون العشرة.

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 17 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ