الشريعة الخالدة لا القوانين البائدة

الدعوة إلى التوحيد

 
عرض المقال
 
 
الدعوة إلى التوحيد
828 زائر
17-09-2010
عبد الله بن حميد
الدعوة إلى التوحيد
بقلم سماحة الشيخ عبدالله بن حميد
الرئيس العام للإشراف الديني بالمسجد الحرام

---------------------------------

الحمد لله الذي أرسل رسوله مبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، دعا إلى الله على بصيرة وبحكمة ولين فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة وفتح الله به أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا.. أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد ومن الحيرة والضلال إلى طريق الحق والهدى (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن يتبعهم بإحسان إلى يوم الدين).
أما بعد:
فلا شك أن الدعوة إلى (توحيد الله ، وعبادته ، وإرشاد الخلق إلى الصراط السوي): هي وظيفة (المرسلين)، وأتباعهم (الهداة المصلحين، والدعاة الناصحين)، الذين يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون (بكتاب الله) الموتى ويبصرون (بنور الله) أهل العمى..
فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه؟ وكم من ضال تائه قد هدوه؟
فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم.. دعوا الناس إلى ما شاء الله أن يصلح به معاشهم ومعادهم، ودعوهم إلى ما فيه الخير والسعادة وحذروهم من السقوط في مهاوي الشرور والشقاء، وحرروا العقول من رق الأهواء والشهوات، وطهروا النفوس من أدران النقائص والرذائل.
ومعلوم أنه ما قام (دين من الأديان - ولا انتشر مذهب من المذاهب)، ولا ثبت مبدأ من المبادئ إلا بالدعوة، ولا هلكت أمة في الأرض إلا بعد أن أعرضت عن الدعوة أو قصر عقلاؤها في الأخذ على يد سفهائها، وما تداعت أركان ملة بعد قيامها، ولا درست رسوم طريقة بعد ارتفاع أعلامها إلا بترك الدعوة..
فإذا أهملت (الدعوة) فشت الضلالة وشاعت الجهالة وخربت البلاد وهلك العباد.
فنعوذ بالله أن يندرس من هذا القطب عمله وعلمه وأن ينمحي حقيقته ورسمه..
وقد علم بالاضطرار من دين (الرسول صلى الله عليه وسلم)، واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله - كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك معاذًا حين بعثه إلى (اليمن)..
فبذلك يصير الكافر مسلمًا والعدو وليًّا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال..
وقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله صابرًا محتسبًا كما أمره بقوله تعالى:
(فاصدعْ بما تُؤمرُ وأعرض عن المشركين) ، وقوله تعالى: (قل هذه سبيل أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني).
فكان يغشى الناس في مجالسهم في أيام المواسم ويتبعهم في أسواقهم فيتلو عليهم القرآن ويدعوهم إلى الله عز وجلّ ويقول: (من يؤويني ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة) فلا يجد أحدًا ينصره ولا يؤويه ولم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة وكان المستجيب له خائفًا من عشيرته وقبيلته، يؤذى غاية الأذى وينال منه وهو صابر على ذلك في الله عزَّ وجلَّ.. وأقام صلوات الله وسلامه عليه على هذا بضع عشرة سنة قال أبو قيس (صرمة ابن أبي أنس الأنصاري) رضي الله عنه:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة
ويعرض في أهل المواسم نفسه
فلما أتانا أظهر الله دينه
يذكر لو يلقى صديقًا مواتيًا
فلم ير من يؤوى ولم ير داعيًا
فأصبح مسرورًا بطيبة راضيًا

والقرآن الكريم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم مبينًا حال الرسل المتقدمين مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين ليكون له بهم أسوة فتتسلى نفسه ويطيب قلبه وتهون عليه جميع المصاعب.
(وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين).
وقال تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كُذِّبُوا وأُوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مُبَدِّلَ لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين) . ومعلوم من سنة الله في خلقه: أن الحق يتصارع مع الباطل وأنه لا بد من أن يقض الله للحق أعوانًا يدافعون عنه ويكتب لهم الغلبة والفوز مهما كان للباطل من صولة.
كما أن من أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين وبيان حقيقة أنباء المرسلين: ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين كما قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون).
وذلك أن الحق إذا جحد وعُورض بالشبهات أقام الله تعالى له على يد من يشاء من عباده مما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات والبينات بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة.
فبالدعوة إلى الله يتبين الهدى من الضلال والصدق من المحال والغي من الرشاد والصلاح من الفساد والخطأ من السداد..
ذلك أن الدين الحق كلما نظر فيه الناظر، وناظر عنه المناظر ظهرت له البراهين وقوى به اليقين وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين..
والدين (الباطل) إذا جادل عنه المجادل ورام أن يقيم عوده - المائل - أقام الله تبارك وتعالى من يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، ويبين أن صاحبه الأحمق (كاذب مائق): وظهر فيه من القبح والفساد والتناقض ما يظهر به لعموم الرجال أن أهله من أهل الضلال حتى يظهر به من الفساد ما لم يكن يعرفه أكثر العباد ويتنبه بذلك من كان غافلاً من سنّة الرقاد ممن لا يميز الغي من الرشاد.
وكان (الخاصة من الصحابة): متكاتفين في نشر الدعوة وتبليغ الرسالة متمثلين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بلِّغوا عني ولو آية).. وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع).
قال البغوي:
والأمر عام في حق أهل زمانه، ومن جاء بعدهم - ولا وصول إلى من بعدهم إلا بالتبليغ). اهـ.
فألقوا إلى من بعدهم ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا قائلين: هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم).
أسلوب الدعوة وما يجب أن يكون عليه الداعي:
وينبغي للداعي أن يكون قوله للناس لينًا ووجهه منبسطًا طلقًا، فإن تليين القول مما يكسر سورة عناد (العتاة) ويلين عريكة (الطغاة).. فالداعي أيًّا كانت منزلته وأيًّا كان عقله وعلمه ليس بأفضل من (موسى - وهارون)، ومن وجهت إليه الدعوة ليس (بأخبث) من (فرعون)؟ وقد أمرهما الله (باللين) معه في قوله: (فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى)، وقال في موضع آخر: (فقل هل لك إلى أن تزكى؟ وأهديك إلى ربك فتخشى؟)، ويقول (الرب) تبارك وتعالى في حق سيد المرسلين : (ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك) أي: لو كنت خشنًا جافيًا في معاملتهم لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك، ولم يتم أمرك من هدايتهم وإرشادهم إلى الصراط السوي.
ذلك أن المقصود من الدعوة إلى الله : تبليغ شرائع الله إلى الخلق، ولا يتم ذلك إلا إذا مالت القلوب إلى (الداعي) وسكنت نفوسهم لديه، وذلك إنما يكون إذا كان الداعي (رحيمًا ، كريمًا)، يتجاوز عن ذنب المسيء ويعفو عن زلاته ويخصه بوجوه البر والمكرمة والشفقة.
كما ينبغي للداعي ألا يعنف على أحد أو يعلن له بالفضيحة ويشهر باسمه على رؤوس الملأ، فإن ذلك أبلغ في قبول الدعوة وأحرى إلى الاستجابة والانصياع.
العمل الذي يحبه الله
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله).




   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 13 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ