تفسير سورة البقرة

رسالة إلى خطيب

 
عرض المقال
 
 
رسالة إلى خطيب
981 زائر
17-09-2010
وحيد عبد السلام بالي
رسالة إلى خطيب
بقلم فضيلة الشيخ / وحيد عبد السلام بالي
----------------------------

الحمد لله وكفى ، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى ، وبعد :
فإنَّ الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الأعمال ، وكيف لا تكون كذلك وهي رسالة الرسل والأنبياء ، وطريق المصلحين والعلماء ، لا يقوم الدين إلا بها ، ولا ينتشر إلا عن طريقها .
الداعي إلى الله قائل بأحسن قول :
قال تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [ فصلت : 33] .
ولقد بشر الله الدعاة إلى الله بالفلاح في الدنيا والآخرة :
فقال سبحانه : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ آل عمران :104] .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة لازمة لعباد الله المؤمنين :
قال سبحانه : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) [ التوبة : 71] .
وحسبك أخي الداعية أنَّ المخلوقات تدعو لك بظهر الغيب :
فقد روى الترمذي بسند جيد عن أبي أمامة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله وملائكته ، حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ، ليصلون على مُعَلِّمِ الناس الخير ) .
أخي - خطيب الجمعة - إن خطبة الجمعة لها أهمية كبرى بين وسائل الدعوة المتاحة للدعاة ، فقد يتكاسل الناس عن المحاضرة ، وقد يتخلفون عن الدرس ، لكنهم لا يتخلفون عن الجمعة إلا الذين لا يصلون أصلًا ، لأن المسلمين مأمورون جميعًا بحضور الجمعة . قال تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) [ الجمعة : 9 ] .
ولذا فقد تجد أمامك جمعًا غفيرًا من المسلمين ، وربما تجد من بينهم من لا يدخل المسجد إلا يوم الجمعة ، وستجد فيهم الصالح والطالح ، والـمفرط والمحافظ ، والمتواضع والمتكبر ، والمتقبل والمعاند .
بل ستجد منهم المتعلم والأمي ، والصغير والكبير ، والذكر والأنثى ، وغير ذلك من فئات المجتمع ، فكيف تخاطب هؤلاء جمعيًا بالأسلوب المناسب ، وكيف تستغل هذا الموقف للأخذ بأيدي هؤلاء جمعيًا إلى طريق الله عز وجل .
فبات من الواجب عليك - أخي الخطيب - أن تتعلم فنَّ الدعوة ؛ لتقدم تعاليم الإسلام في أبهى منظر ، وأجمل حُلة .
أسباب نجاح الخطبة :
1- التكلم باللغة العربية الفصحى :
ينبغي على الخطيب أن يحرص على أن يلقي خطبته بالفصحى قدر جهده ، لأنها لغة القرآن ، وشعار الإسلام .
والحديث بالفصحى يضفي على خطبتك إشراقًا ، وعلى كلماتك نورًا ، وفي نفوس مستمعيك قبولًا .
2- التوسط في الإلقاء :
بحيث لا يكون كلامك سريعًا فلا يُفهم ، ولا بطيئًا فيمله السامعون ، ولتعط لكل موقف ما يلزمه ، فإذا احتاج إلى انفعال أسرعت ، وإن احتاج إلى إقناع أبطأت .
3- الاقتصاد في الخطبة :
فلا تكون طويلة مملة ، ولا قصيرة مخلة ، ولا تكون متشعبة الأفكار ، كثيرة الشواهد ، ركيكة المعاني ، بل موجزة متقصده ، وتلك هي السنة ، فقد قال سيد الخطباء صلى الله عليه وسلم : (إنَّ قصر خطبة الرجل ، وطول صلاته ؛ مَئِنَّة من فقهه ) رواه مسلم ؛ لأن القصر والإيجاز وإيصال المعنى من أقرب طريق ؛ دليل على الفصاحة والعلم والفقه .
4- ربط الخطبة بالواقع :
عليك أن تتحسس مشاكل مدينتك وتعالجها من فوق أعواد منبرك ، تعايش الناس وتترك المنبر يجيب على تساؤلاتهم ، فحينما تكون خطبتك منتزعة من الواقع تكون أقرب إلى قلوبهم وأوقع في نفوسهم .
5- المخاطبة على قدر الفهم :
فلا تخاطب العوام بمنطق علمي مرتفع ، ولا المتعلمين المثقفين بمنطق بدائي ممجوج ، بل تخاطب الناس على قدر عقولهم وعلومهم .
6- الترفع عن الغلظة في القول والبذاءة في اللسان :
فلا تحقر مستمعيك ، ولا تقلل من شأنهم ، ولا ترميهم بالجهل وقلة الفهم ، ولا تقذفهم بالفسق والفجور ، أو غير ذلك مما لا يليق بمكانة الداعية - حتى لو كانوا كذلك - بل تتلطف بهم في الحديث ، وترفق بهم في القول .
قال تعالى مبينًا سبب اجتماع الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) [ آل عمران 159 ] .
وقال تعالى مرشدًا للطريقة المثلى في الدعوة : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) [ النحل : 125] .
7- استثارة همم المدعوين بما يفتح قلوبهم :
كأن تخاطبهم بـ (يا أخوة الإسلام ) ، ( يا أيها المؤمنون ) ، ( يا من آمنتم بالله ربًّا ، وبمحمد نبيًّا ، وبالإسلام دينًا ) ، وما شابه ذلك مما يفتح قلوبهم ، ويقرب نفوسهم ، فإن المحبة مفتاح القلوب .
فهذا إبراهيم عليه السلام يذكِّر أباه برابطة الأبوة أثناء دعوته ، فيقول : ( يَاأَبَتِ …. ) [مريم : 42] ، ويكررها كثيرًا .
وهذا لقمان يذكَّر ابنه برابطة البنوة ليكون أدعى لقبول الموعظة ، فيقول : ( يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ….. ) [ لقمان : 13] .
وهذا هود يذكَّر قومه برابطة القرابة فيقول : ( يَاقَوْمِ …. ) [ هود : 50] .
وربنا تبارك وتعالى يذكَّر المؤمنين يإيمانهم ؛ ليردهم وازع الإيمان إلى الاستجابة والطاعة ، فيقول سبحانه : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ) [ البقرة : 153 ] .
8- الابتعاد عن الحركات الكثيرة :
ينبغي أن تتسم بالاتزان أثناء الإلقاء ، فلا تتحرك ، أو تشير إلا في الموقف الذي يدعو إلى ذلك ، وعليك بتجنب الحركات التي تسقط هيبتك من أعين الناس : مثل كثرة بلع الريق ، وفتل الأصابع ، والسعال المتكلف ، وكثرة الالتفات ، وما شابهها .
9- حسن المظهر :
ينبغي أن تصعد المنبر بالمظهر اللائق بالداعية ، فلا تلبس ثيابًا رثة ، أو ممزقة ، ولا تلبس ثياب المترفين الرقيقة الشفافة .
فعليك أن تكون نظيف الثياب من غير تبرج ، طيب الرائحة من غير إسراف ، مهيب المنظر من غير تكلف .
10- التحضير الجيد للخطبة :
لا تصعد المنبر إلا وقد حددت موضوعك ، ورتبت أفكارك وانتقيت ألفاظك ، حتى لا ترتج عليك العبارات ، وتستعجم عليك الكلمات ، فلا تتمكن من تبليغ دعوة مولاك .
ولا بأس بأن تستمع إلى أشرطة الخطباء المشهورين ، والوعاظ المبرزين لتتدرب على طرق الإلقاء ، ووسائل التأثير ، وأساليب الإقناع .
11- ألا تصعد المنبر وأنت ممتلئ المعدة :
لأنه إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، وخرست الحكمة ، وكسلت الأعضاء عن العبادة .
وقال محمد بن واسع : من قل طعامه فهم وأفهم ، وصفا ورق ، وإنَّ كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد .
وقال الشافعي : الشِّبع يثقل البدن ، ويزيل الفطنة ، ويجلب النوم ، ويضعف صاحبه عن العبادة .
تلكم هي أسباب نجاج الخطبة ، فاحرصوا عليها إخواني الخطباء ، وكونوا منها على ذكر دائمًا ، وأسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه .
وحيد بالي

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 23 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ