تفسير سورة البقرة

بدعة المولد النبوي

 
عرض المقال
 
 
بدعة المولد النبوي
926 زائر
18-09-2010
محمد علي عبد الرحيم
بدعة المولد النبوي
بقلم: فضيلة الشيخ محمد على عبد الرحيم
-----------------------

التعبير عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم بالاحتقال بمولده بالذات، كلما أقبل شهر ربيع الأول من كل عام، ليس من الإسلام في شيء. بل هو تقليد أعمى، وحب كاذب يصدر عن قوم حُرموا لذة المحبة الصادقة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى رأس هؤلاء طوائف الصوفية الذين يبتدعون في الدين ما ليس منه، ويتعبدون اللَّه على طرائق سنها لهم مشايخهم، ويتخذون قبورهم مساجد، تتعلق بها قلوب المريدين ويشدون إليها الرحال دون خوف من وعيد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حيث يقول: " لعن اللَّه زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج".
فالذين يتظاهرون بمحبة رسول اللَّه بإقامة مولده، جريا على الاحتفال بموتى اتخذت قبورهم مساجد: ليس لديهم أثارة من علم صحيح، يستند إلى كتاب الكريم، أو سنة نبي الهدى عليه الصلاة والسلام.
والحق الذي لا مراء فيه، أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان، لقوله صلوات اللَّه وسلامه عليه: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ومن نفسه التي بين جنبيه. وفي رواية ومن الناس أجمعين". هذا إذا كانت المحبة مقرونة بالعمل الذي يطابق عمله، أو ما أوصى به دون ابتداع في الدين الذي جاء به عن ربه. تلك هي المحبة الصادقة التي تقرب إلى اللَّه عز وجل، ويثاب عليها صاحبها.
أما إذا كانت هذه المحبة مجرد تهريج، أو مواكب كمواكب الصوفية من مسجد السيدة زينب إلى مسجد الحسين رضي اللَّه عنه، أو سرادقات فاخرة تقام لتلقي فيها المدائح المنهي عنها، أو الحرص على أكل الحلوى في يوم مخصوص بالذات، حبًا في رسول اللَّه كما يقولون، وغير ذلك مما درج عليه الناس، وخاصة أهل البدع والخرافات، فتلك محبة كاذبة، نسج خيوطها من استحوذ عليهم الشيطان فصدهم عن الحق، فلا دين أقاموا، ولا بسنة نبيهم يعتصمون.
محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تتمثل في إلقاء القصائد، وإطلاق المدائح الكاذبة، وإنفاق الأموال في إقامة الزينات، بحجة العمل على إشهار رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام، وتمجيده كما تفعل الأمم الأخرى بأنبيائهم، فذلك جهل بالدين، وخروج على هدي سيد المرسلين.
أما الرسول فليس بحاجة إلى إشهار أو تمجيد بمثل هذه الأعمال، التي تدل على سفاهة الأحلام والجهل بالدين. فشهرة الرسول حاصلة رغم أنوفهم بأعمال أعظم قدرًا من هذه الصغائر، فد أوجب اللَّه ذكر اسمه بعد اسم اللَّه تعالى في شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، كما أن اللَّه تعالى جعل الصلاة عليه بعشر صلوات يصليها بنفسه على من صلى عليه من أمته.
كما جعل طاعته مقرونة بطاعة اللَّه تعالى، وكما قرر القرآن الكريم أنه بعث رحمة للعالمين، وأنه على خلق عظيم.
فهل يحتاج الرسول شهرة من قوم كذبت حناجرهم، ولم تصدق أعمالهم في محبته بمشاقته وعدم اقتفاء سيرته السنية، والتخلق بأخلاقه الزكية؟ إن ما يفعلون جهل بالدين، ومشاقة لسيد المرسلين.
ولمناسبة بدعة مولد النبي يتعين علينا تحقيق أمور ثلاثة:
1- متى ولد الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
2- موقف السلف الصالح من مولده.
3- كيف تكون المحبة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟
فأقول مستعينًا باللَّه الكريم:
1- أما ميلاده صلى الله عليه وسلم :
فقد كان عام الفيل بلا شك، وكان في ربيع الأول على الأرجح، أما تحديد يوم 12 من هذا الشهر بالذات، فهذا من باب الحدس والتخمين، والعرب قبل الهجرة ما كانوا ليؤرخون إلا بالحوادث الهامة، وهذه الحوادث تختلف أهميتها باختلاف تأثيرها على مجامع قلوب الناس. فمنهم من يؤرخ بحادثة سيل جارف، ومنهم من يؤرخ بحادثة الفيل، ومنهم من يؤرخ بحادثة جدب وشدة.... إلى غير ذلك من الأمور. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد يومًا ولد فيه بأكثر من أنه يوم الاثنين من أيام ربيع.
إذن كيف تحدد يوم 12 من ربيع الأول؟ هذا الذي يحتاج إلى دليل. وبذا سقطت حجة من يدعى أنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم 12 من هذا الشهر.
ولكن أصحاب الأهواء، الذين يسيرون على سنن من قبلنا ( كاليهود والنصارى ) رأوهم يقيمون عيدًا لمولدعيسى عليه السلام. فلماذا لا يقام عيد ميلاد للنبي محمد عليه السلام، وهو لم يكن أقل شأنًا من عيسى، ولا أدنى منه منزلة عليهما الصلاة والسلام؟
لهذا عمدوا على إشهار رسول اللَّه محمد بإقامة مولد له، اتباعًا لسنن أولئك الذين حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من متابعتهم بقوله: " لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلو جحر ضب لدخلتموه" قيل يا رسول اللَّه: اليهود والنصارى؟ قال: " فمن غيرهم؟".
وإذا كانت الموالد يقصد منها مدح رسول اللَّه الكريم، فقد نهانا صلى الله عليه وسلم عن مديحه وإطرائه بقوله الكريم: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم".
2- موقف السلف الصالح من مولده:
كان الصحابة الكرام أكثر الناس محبة للرسول الذي بعث فيهم وشاهده واستمعوا لقوله، وكانت محبتهم تتجلي في صدق أعمالهم، فحظهم من هذه المحبة حظ موفور على قدر ما أسدى إليهم من النفع الشامل لخير الدنيا والآخرة.
ولذا كانت المحبة عميقة ومبنية على ثمرة المعرفة، وعلى ما كان يتحلى به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق ( فهو منبع الفضائل كلها ) كيف لا؟ وهو الذي أخرجهم بإذن اللَّه من ظلام الجهل إلى نور العرفان والإيمان.
ومن أجل ذلك استحق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أوفى نصيب من محبة صحابته أكثر من محبتهم لأنفسهم وذويهم والناس جميعًا: كانوا يفدونه بكل عزيز لديهم. وما كان أبو بكر ليخاطبه إلا بقوله: بأمي أنت وأمي يا رسول اللَّه.
لا شك أن القلوب الطيبة جبلت على حب من أحسن إليها. فكيف بالرسول الذي آتاه اللَّه ما لم يؤت غيره، ومنحه اللَّه من الآلاء حتى فضله على العالمين؟
وإليك أمثلة من محبة الصحابة له:
(أ) روى ابن إسحاق أن امرأة من الأنصار، قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد فأخبروها بذلك. فقالت: ما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا بحمد اللَّه هو بخير كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظره. فلما رأته قالت: كل عظيمة مهما عظمت فهي بعدك صغيرة. فانظر كيف تغلبت محبتها للرسول الكريم على أقرب الناس إليها من أب وأخ وزوج استشهدوا دفعة واحدة.
(ب) روى أبو بكر بن مردوية بسند صحيح ينتهي إلى عائشة رضي اللَّه عنها قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال يا رسول اللَّه إنك لأحب إلي من نفسي، وأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني أكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك، وإذا ذكرت الآخرة عرفت أنك إذا دخلت الجنة كنت مع النبيين، وإن دخلت أنا الجنة خشيت ألا أراك. فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا}.
(جـ) أن بلالاً رضي اللَّه عنه لما نزلت به المنية، كان أهله يقولون: واكربتاه. وهو يقول / وافرحتاه، غدًا ألقى الأحبة، محمدًا وصحبه. فانظر كيف مزج كربة الموت بحلاوة اللقاء مع رسول اللَّه. وذلك من حلاوة الإيمان الذي جاء في قوله الكريم: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" رواه البخاري.
بهذا لم يكن السلف الصالح أقل محبة منا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك فلم يحتفلوا بمولده، ولم يكلفوا أنفسهم معرفة اليوم الذي ولد فيه، ولكن أفنوا حياتهم في مرضاة اللَّه ورسوله.
أما المحبة الكاذبة التي يتظاهر بها أرباب الصوفية والسذج من الناس فقد سد النبي صلى الله عليه وسلم الطريق في وجه هذه المحبة بقوله: " اللهم لا تجعل لقبري عيدًا. اشتد غضب اللَّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". فأين علماء السوء ومشايخ الطرق الصوفية، وعلماء المساجد، ووزارة الأوقاف من هذا القول النبوي الكريم؟
إن الحديث الشريف يتضمن أمرين هامين:
(أ) النهي الشديد عن اتخاذ عيد ميلاد لقبره صلى الله عليه وسلم ، فهو في غنى عن ذلك.
(ب) اشتداد غضب اللَّه على من اتخذ قبور الأنبياء مساجد.
فما بالكم بمن اتخذ قبور مشايخ الصوفية مساجد،و كذا غيرهم ممن لا يعرف لهم فضل ولا علم؟
ونخص بالذكر بهذا القول. وزارة الأوقاف، وقادة الأزهر، الذين يقرون ما عليه الصوفية، بالعناية بقبور هذه المساجد وكسوتها، ونشر الطيب عليها، والاحتفال بموالدها. فهل هذا من الدين؟
فإلى اللَّه المشتكى.
3- كيف تكون المحبة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم :
محبته صلى الله عليه وسلم من الإيمان، وقد أوجبها اللَّه علينا، وفاء لما أسدى إلى أمته من خير، إذ جاء بالدين الذي أساسه توحيد اللَّه، كما دعا إلى التراحم،وبالغ في النصيحة، وعلم الكتاب والحكمة، وأنقذ الأمة من الغواية، وأتى من ربه بالهداية، حتى بلغت الغاية، وتحقق لها قصدها.
كانت هذه المحبة قوتًا للقلوب، وغذاءً للأرواح، فيها يتنافس المتنافسون. هكذا كانت محبة السلف الصالح لنبيهم صلى الله عليه وسلم .
فأين هذه المحبة من المحبة الزائفة التي تقوم على التهريج، وإقامة الزينات، ونصب الرايات، والاستماع إلى المدائح الكاذبة، والقرآن الذي لا يتجاوز حناجر القراء، فلا يخشع له القارئ ولا السامع، ولكنهم يسمعون وأفئدتهم هواء.
فيا قوم: قبل أن نتظاهر بمحبته صلى الله عليه وسلم ، يجب أن تلتزم بما دعانا إليه الكتاب المنزل عليه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}.
علامة المحبة الصادقة أن تكون أوامره صلى الله عليه وسلم في مقدمة ما نعمل ونواهيه في مقدمة ما نترك. ولكن أرباب المحبة الكاذبة ينتصرون للبدع والخرافات، معرضين عن قوله صلى الله عليه وسلم : ".... وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وعند أبى داود " وكل ضلالة في النار" فأوصيكم ونفسي باتباع الرسول في كل ما أمر، وفي كل ما نهى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وفقنا اللَّه إلى اتباعه، ومنحنا السير على نهجه، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل.

محمد على عبد الرحيم
   طباعة 
1 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 15 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ