وصية مودع

إباحة ميتة البحر ومن غرائب البحار

 
عرض المقال
 
 
إباحة ميتة البحر ومن غرائب البحار
8516 زائر
29-09-2010
محمد علي عبد الرحيم

إباحة ميتة البحر ومن غرائب البحار

فضيلة الشيخ / محمد علي عبد الرحيم

* * * * * * * * *

روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : " كنا مع أبي عبيدة ، بعثنا النبيصلى الله عليه وسلم ، فنفد زادنا ، فمررنا بحوت قذفه البحر ، فأردنا أن نأكل منه ، فمنعنا أبو عبيدة ‏‏. ثم إنه قال بعد ذلك : نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله ، كلوا ، فأكلنا منه ‏أيامًا ، فلما ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن كان معكم منه شئ فابعثوا به إلينا " .‏

وأخرجه البخاري ومسلم بزيادة : وادهنا من ودكة حتى ثابت منه أجسادنا وصلحت . وفي رواية : " ‏فأقمنا عليه ثمانية عشر يومًا ونحن ثلثمائة حتى سمنا . قال جابر : ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه ‏بالقلال : الدهن ، ونقتطع منه القدر ، كقدر الثور ، وأخرجنا من عينه كذا وكذا قلة ودك ، ولقد أخذ ‏أبو عبيدة رضي الله عنه ثلاثة عشر رجلاً ، فأقعدهم في ثقب عينه ، وأمر أبو عبيدة رضي الله عنه بضلع ‏من أضلاعه فنصب ، ونظر إلى أطول جمل فجلس عليه ، ومر من تحته راكبًا فلم يصبه . قال جابر : ‏وتزودنا من لحمه ". وفي رواية أبي حمزة الخولاني : " وحملنا منه ما شئنا من قديد وودك في الأسقية ‏والغرائر ".‏

تعريف بالأعلام ‏:

1- جابر بن عبد الله رضي الله عنهما :-

هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري من قبيلة الخزرج بالمدينة ، وهو وأبوه صحابيان . ‏شهد العقبة الثانية مع أبيه صغيرًا (أي التقى مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم سرًا ليلاً عند جمرة ‏العقبة بمنى في موسم الحج خشية أن تعلم قريش . وأسلم في تلك السنة اثنا عشر نشروا الإسلام بالمدينة ‏قبل الهجرة ) وكان أبوه أحد النقباء الاثنى عشر ومنهم أسعد بن زرارة ، وعبادة بن الصامت رضي الله ‏عنهم أجمعين . وأبوه أول شهيد للمسلمين في غزوة أحد . وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : "( ‏غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة " . وقال أيضًا : " كنت أمنح أصحاب رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم الماء يوم بدر " أي يسقيهم الماء . ومعنى ذلك أنه كان صغيرًا لم يقاتل لصغر سنه ‏كأمثال أبي سعيد الخدري . وأنس بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، الذين كانت أعمارهم نحو 14 عامًا ‏حينذاك فأعفاهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم من القتال .‏

وشهد جابر مع علي بن أبي طالب (صفين) وكف بصره في آخر عمره ، ومات بالمدينة سنة أربع وسبعين ‏على الراجح ، وصلى عليه أبان بن عثمان وهو أمير المدينة يومئذ . وله من العمر أربع وتسعون سنة ، ‏وهو أحد المكثرين لرواية الحديث من الصحابة . روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1540 حديثًا ‏اتفق الشيخان على 60 حديثًا منها وانفرد البخاري بستة وعشرين حديثًا وانفرد مسلم بـ126رضي الله ‏عنه وأرضاه .‏

2- أبو عبيدة رضي الله عنه :-

هو عامر بن عبد الله بن الجراح . يتصل نسبه إلى فهر بن مالك بن النضر بن كنانة من قريش . سماه ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم أمين هذه الأمة . أسلم مع عثمان بن مظعون بمكة . وهو أحد العشرة ‏المبشرين بالجنة . هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم ‏‏، وثبت معه يوم أحد ، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد من ‏حلقات المغفر بفمه ، فوقعت منه ثنيتان فكان أحسن الناس هتمًا " الهتم فقدان مقدم الأسنان " .‏

مات أبو عبيدة رضي الله عنه في طاعون عمواس بالشام عام 18 من الهجرة في عهد عمر رضي الله عنه ‏وعمره 58 عامًا ودفن في بيسان . وصلى عليه معاذ بن جبل ثم مات بعده .‏

معاني المفردات :

* بعثنا النبي = كانوا ثلثمائة تحت قيادة أبي عبيدة . وكان من بين الجنود عمر بن الخطاب وكان ذلك في شهر رجب من العام الثامن قبل الفتح .‏

* نفد الزاد = انتهى الطعام ، وكان تمرًا .‏

* الحوت = حيوان مائي ضخم يتنفس الهواء . يقول عنه العرب هو دابة العنبر . وهو من بيئة ‏الحيوانات

المائية التي تعيش في المياه الباردة كشمال المحيط الأطلسي حول جزيرة أيسلند وجرينلند ‏وقد يصل طوله نحو 40 مترا . ودهنه يغلب على لحمه . وجلده يستعمل في الطبول . وله غدة في رأسه ‏تفرز العنبر العطري ، الذي له فوائد طيبة كثيرة وقد يخترق المحيطات إلى البحار الدفيئة جريًا وراء ‏قطعان الاسماك ، ورأسه ثلث جسمه . فإذا وجد قطيعًا من أسماك فتح فاه فيقع القطيع في فمه الذي يبلغ ‏طوله نحو عشرة أمتار ، ثم يطبق فاه على السمك ليبتلعه ، ويخرج الماء من فتحة في رأسه إلى ارتفاع ‏يزيد عن 12 مترًا . فيعرف الصيادون موضعه ليصيدوه . وهو أضخم حيوان مائي ، كما أن الفيل أضخم ‏حيوان برى .‏

* فمنعنا أبو عبيدة = نهانا أبو عبيدة عن الأكل منه في أول الأمر على اعتبار أنه ميتة .‏

* ثم قال كلوا = تذكر أبو عبيدة أن الضرورات تبيح المحظورات . وذلك بإباحة أكل الميتة وهم في سبيل ‏الله وفي طاعة الله ورسوله ثم تبين من آخر الحديث أن ميتة البحر كلها حلال بغير اضطرار .‏

‏* أكلنا منه أياما = أكل منه القوم 18 ليلة كما جاء في الصحيح .‏

* فابعثوا به إلينا = هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم ليأكل منه لبيان إباحة أكل ميتة البحر .‏

* لودك = الدهن .‏

* ثابت أجسادنا = رجعت إلى حالتها الأصلية قبل الجوع .‏

* سمنا = من أكل لحم الحوت سمنت أجسادهم بعد الهزال من السفر والجوع .‏

* الوقب = بتسكين القاف قال صاحب القاموس نقرة في صخرة . ‏

* نغترف من وقب عينه بالقلال = لما امتلأت حفرة العين اغترفوا منها بالأوعية .‏

* القديد = اللحم المجفف بالملح للحفظ . وهو ما قدموه لرسول الله صلى الله عليه وسلم .‏

* الأسقية = الأوعية التي للماء في الأصل .‏

* الغرائر = جمع غرارة وهي الكيس من القماش الذي يوضع فيه التمر والحب .‏

المعنى :

يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : " بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية (كتيبة من الجيش) ‏تحت قيادة أبي عبيدة رضي الله عنه ، ليرصدوا عيرًا (إبلاً محملة بالتجارة) لقريش في طريق البحر . ‏وزودنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم بجراب من تمر لم يجد لنا غيره . وكان أبو عبيدة على رأس جيش ‏تعداده ثلثمائة رجل منهم عمر بن الخطاب ، وكان أبو عبيدة يعطينا قبضة قبضة ، ثم صار يعطينا ‏تمرة تمرة حتى فني التمر ، قيل لجابر كيف كنتم تصنعون بالتمرة الواحدة ؟ قال : كنا نمصها كما ‏يمص الصبي ، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنًا إلى الليل " .‏

وفي حديث لعبادة بن الصامت رضي الله عنه عند ابن إسحاق : " (فقسمها - أي التمر) يومًا بيننا فنقصت ‏تمرة عن رجل ، فوجدنا فقدها ذلك ، فأصابنا جوع شديد ، وكنا نضرب بعصينا الخبط (بفتح الخاء ‏والباء) وهو ورق شجر يجفف ، ثم نبله بالماء " .‏

يقول جابر كما جاء في الصحيحين : " فألقى إلينا دآبة البحر يقال لها العنبر ، لم نر مثلها . فأتينا ‏وأردنا أن نأكل من ذلك الحوت الذي قذفه البحر ، فمنعنا أميرنا أبو عبيدة أولاً . وقال هذه ميتة . ثم ‏إن أبا عبيدة قال بعد ذلك كلوا بعد أن نهانا عن الأكل منه ، معتقدًا أن حالهم حال ضرورة تبيح أكل ‏الميتة . وقال أبو عبيدة نحن رسل رسول الله أرسلنا لنقاتل أعداء الله وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا ‏منه . فبني أبو عبيدة أولا تحريم الميتة على عموم تحريمها ، ثم تذكر تخصيص المضطر بإباحة أكلها ‏إذا كان غير باغ ولا عاد " . ‏

وهم بهذه الصفة في سبيل الله وفي طاعة الله ورسوله . وقد تبين من آخر الحديث أن تحليله ليس بسبب ‏الإضطرار بل لكونه من ميتة البحر .‏

ثم قال جابر :- أكلنا أيامًا . ذكرها البخاري ثماني عشرة ليلة ، وادهنا من دهنه حتى صلحت ‏أجسامنا - يعني تحسنت .‏

ويقول جابر في وصف الحوت : كنا نغترف الدهن من ثقب عينه ، ونقتطع منه كحجم الثور ، وقد أخذ ‏أبو عبيدة رضي الله عنه 13 رجلا فأقعدهم في ثقب عينه مما يدل على اتساعها كحجرة من الحجرات .‏

أما ضلوع الحوت فكان الواحد منها في الطول كأكبر الرجال طولاً في الجيش . وهو سعد بن عبادة رضي ‏الله عنه كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري .‏

وقد تزودوا من لحمه ، وحملوا منه شيئًا من قديد ودهن عالجوه بالملح ليحفظ من الفساد . ولما وصلوا إلى ‏المدينة قصوا على النبي صلى الله عليه وسلم ما رأوا وما فعلوا ، ليستفتوه في حكم أكل لحم صيد البحر . ‏فقال صلى الله عليه وسلم : " إن كان معكم شئ منه فابعثوا به إلينا - ليأكل منه . وقال في رواية أخرى : ‏هو رزق أخرجه الله لكم ، فهل معكم من لحمه فتطعمونا ؟ وبهذا تتم الدلالة على إباحة ميتة البحر ‏بدون اضطرار " .‏

ما يستفاد من الحديث :

1- جواز أكل ميتة البحر مطلقًا ، إلا ما كان يشبه حيوان البر فيتعين ذبحه

كالسلحفاء البحرية لأنها ‏لا تموت إلا بالذبح .‏

2- تحمل الصحابة الشدائد ، وصبرهم على الجوع أثناء الجهاد فكان الواحد منهم يكتفي بتمرة ‏واحدة في اليوم .‏

3- من كرامة الله لأوليائه من الصحابة ، أن قذف بحوت أصله من البلاد الباردة وجاء إلى البحر ‏الأحمر ، فأكلوا منه وادهنوا وادخروا . وحملوا منه شيئًا إلى المدينة فأكل منه رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم .‏

4- منزلة أبي عبيدة بين الصحابة ، فقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية تعدادها ‏ثلثمائة رجل من بينهم عمر بن الخطابرضي الله عنهم أجمعين .‏

5- غرائب البحر آيات عظيمة من آيات الله . وهي أشد غرابة من آيات البر . فأكبر الكائنات في البحر ‏هو الحوت (ويسميه بعضهم القيطس) كما أن الفيل أكبر الكائنات البرية .‏

ويقول كاتب هذه السطور :- أنه رأى بعينيه حوتًا ضالاً جنح على رمال مدينة رشيد بقوة اندفاعه وراء ‏قطيع من الأسماك عند مصب النيل في رشيد عام 1346 هـ الموافق 1927 م فاندفع بقوة إلى البر على ‏الرمال حتى كان رأسه (ثلث جسمه) خارج الماء ولم يستطع الرجوع إلى عمق الماء لثقل جسمه . وكان ‏طوله نحو ثلاثين مترًا . فجاء الناس يصعدون على ظهره بسلالم خشبية يبلغ طولها 5 أمتار . وظلوا ‏يأخذون من دهنه أيامًا حتى ظهر لحمه قبل أن يتعرض للفساد . وكان دهن الحوت

حينذاك يوصف ‏لدهان المفاصل . وأسرف الناس في اهداء هذا الدهن بالصفائح الكبيرة التي تزن نحو 14 أقة وقتئذ أو ما ‏يعادل حاليًا نحو 18 كيلو جرامًا ، لعلاج الروماتزم قبل أن يتقدم الطب .‏

ولعل مثل هذا الحوت هو الذي ابتلع يونس عليه السلام حيث قال عز شأنه :﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ"139" إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ (هرب) الْمَشْحُونِ"140" فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ"141" فَالْتَقَمَهُ (ابتلعه) الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ"142" فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ"143" لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾(139-144 : الصافات) .‏

6- هذا وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أحل لكم ميتتان ودمان ، فالميتتان السمك ‏والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال " .‏

كما أن ابن القيم قال في تفسير قوله تعالى : ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ﴾(96 : المائدة) قد صح عن أبي بكر وعمر ‏وابن عباس وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أن طعام البحر ما صيد منه ، والله أعلم .‏

محمد علي عبد الرحيم


   طباعة 
3 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 25 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ