البهائية

الاستسقاء واللجوء إلى الله في الشدائد

 
عرض المقال
 
 
الاستسقاء واللجوء إلى الله في الشدائد
2848 زائر
30-09-2010
محمد علي عبد الرحيم

الاستسقاء واللجوء إلى الله في الشدائد

فضيلة الشيخ / محمد علي عبد الرحيم

* * * * * * * * *

عن حميد قال : سئل أنس : " هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه؟ فقال : قيل له يوم الجمعة : يا رسول الله قحط المطر وأجدبت الأرض وهلك المال . قال : فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه ، فاستسقى ، ولقد رفع يديه وما نرى في السماء سحابة . فما قضينا الصلاة حتى أن قريب الدار الشاب ليهمه الرجوع إلى أهله . قال : فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا يا رسول الله : تهدمت البيوت واحتبست الركبان . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ملالة ابن آدم فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : اللهم حوالينا ولا علينا . فتكشطت عن المدينة " . رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم واللفظ لأحمد .

تعريف بالرواة :

1- حميد :-

المشهور بالطويل ، واسمه مختلف فيه قيل عبدالرحمن ، وقيل مهران الخزاعي البصري . وهو من التابعين وعلمائهم ومحدثيهم .

قال الأصمعي : رأيت حميدا ، فلم يكن بالطويل . ولكن كان في جيرانه رجل يعرف بحميد القصير . فقيل له حميد الطويل ليعرف عن الآخر . وقيل كان طويل اليدين . سمع من أنس كغيره من التابعين أمثال ثابت البناني وعكرمة ونافع .

وقال أبوحاتم : أكبر أصحاب الحسن (البصري) قتادة وحميد .

وقال ابن الأثير في جامع الأصول : حميد كثير الحديث ، واسع الرواية ، ولد سنة 68هـ ومات سنة 143هـ في أوائل عهد الدولة العباسية .

2- أنس بن مالك رضي الله عنه :-

أنصاري من الخزرج : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم كان عمر أنس رضي الله عنه عشر سنين ، فخدم النبيصلى الله عليه وسلم مدة إقامته بالمدينة وهي عشر سنين . وكان أنس يعرف بخادم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يتسمى بذلك ويفتخر به وكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حمزة . (وكلمة حمزة معناها الأسد والحمازة الشدة - كما جاء في القاموس) .

وأمه : أم سليم بنت ملحان . جاء في البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه . "قالت أم سليم : يا رسول الله : خادمك أنس ، ادع الله له . فقال (اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما أعطيته) " فكان له بستان - يحمل في السنة مرتين .

روى أنس رضي الله عنه أحاديث كثيرة فروى له 1286 حديثا اتفق الشيخان على 168 حديثا منها .

مات رضي الله عنه بالبصرة . وهو آخر من مات بها من الصحابة وأخذ عنه الزهري ، وابن سيرين وقتادة وثابت البناني ، وحميد وجماعة من أولاده ، وأولاد أولاده ، وخلق كثير من التابعين رضي الله عنه وأرضاه .

معاني المفردات :

* قحط المطر = احتبس وانقطع ، وأقحط الناس إذا لم يمطروا .

* أجدبت الأرض = أصابها الجدب وهو ضد الخصب .

* هلكت الأموال = من النبات والحيوان من قلة المطر أو عدمه .

* رفع الرسول يديه = بالغ في رفعها للدعاء .

* استسقى رسول الله = طلب السقيا من الله . والاستسقاء الدعاء بطلب السقيا

* وما نرى في السماء من سحابة = أي كانت السماء صافية لا سحاب فيها .

* ان قريب الدار الشاب ليهمه الرجوع إلى أهله = أي أن من شدة المطر يصعب على الرجل الشاب

الرجوع إلى أهله .

* قالوا يا رسول الله تهدمت البيوت = جاء الرجل الذي كان يشكو من الجدب ، جاء يشكو من شدة المطر

لاستمرار هطول الأمطار أسبوعا كاملا .

* احتبست الركبان = الإبل المحملة بالطعام فلم تأت من كثرة الأمطار .

* اللهم حوالينا = أي اللهم أنزل الغيث حوالي المدينة حيث مواضع النبات والشجر .

* فكشطت = انكشفت الشمس وانقطع المطر .

المعنى :

عند الشدائد يلجأ المؤمنون إلى الله تعالى ويفزعون إليه ليكشف كربهم ، ويزيل غمهم .

وفي الحديث :" بينما يخطب رسول اللهصلى الله عليه وسلم الجمعة ، إذ دخل أعرابي من أهل البادية ، وعرض الشكوى أثناء الخطبة فقال يا رسول الله : قحط المطر وانقطع ، وأصاب الأرض جدب ، فلم ينبت كلأ ولا عشب ، وكادت الأموال من الحيوان والنبات أن تهلك من عدم المطر وطلب الرجل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو ربه ليغيثهم . فرفع الرسول يديه متضرعا ، ودعا الله تعالى يطلب المطر .

ويقول أنس : وما نرى في السماء سحابة ، فما أدينا صلاة الجمعة وأنهيناها ، حتى اكفهر الجو واحتجبت الشمس بالسحب المطيرة بفضل استجابة الله تعالى لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأغاثهم الله جل شأنه غيثا عاجلا غير آجل ، وهم لا يزالون بالمسجد ، ومن شدة المطر يصعب على الشاب القوي القريب الدار من المسجد أن يرجع إلى بيته فالمطر منهمر كأفواه القرب " .

ثم يقول أنس رضي الله عنه : ما رأينا الشمس أسبوعا فأرسل الله السماء مدرارا . فلما كانت الجمعة التي تليها ولا يزال المطر نازلا إذا بالرجل الذي جاء الجمعة الماضية يدخل المسجد والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب . فيقول الرجل : يا رسول الله تهدمت البيوت وهلكت الأموال من كثرة المطر (لعدم بروز الحيوانات للمرعى) وانقطاع الطرق من كثرة السيل فادع الله أن يمسكها فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا من طبائع بني آدم من الملل والسآمة ، إلا من وفقه الله بتهذيب نفسه ، وأخذها بما قدره العليم الحكيم .

ولما كان المطر من رحمة الله تعالى وأرسله الله مدرارا استجابة لدعاء نبيه ، رفعصلى الله عليه وسلم يديه داعيا ربه أن يحول المطر إلى مواضع أخرى هي في حاجة إليه . فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم حوالينا ولا علينا ، أي أنزل اللهم الغيث حول المدينة حيث مواضع العشب والشجر . وجاء في الصحيحين لقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم على الآكام والظراب (والآكام جمع أكمة وهي دون الهضبة . والظراب الجبال الصغار) وبطون الأودية ومنابت الشجر . قال أنس : فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس .

وكان من أدب النبي صلى الله عليه وسلم ألا يطلب منع الخير وحبس المطر ، بل دعا ربه أن يحوله إلى المناطق المحتاجة إليه ففي ذلك سقيا للعشب والنبات والشجر وطعام للحيوان والبشر .

ما يستفاد من الحديث :

1- مشروعية الاستسقاء (وهو طلب السقيا من الله) أثناء الخطبة .

2- الالتجاء إلى الله تعالى وقت الشدة والتوكل عليه ، فهو سبحانه يجيب المضطر إذا دعاه .

3- من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم : أن استجاب الله دعاءه فورا ، فانعقدت السحب في السماء إثر الدعاء مباشرة ونزل المطر بإذن الله مدرارا وتعذر على المصلين العودة بعد الصلاة إلى منازلهم .

4- مشروعية رفع اليدين أثناء الدعاء .

ويقول العلامة السفاريني : من الناس من خص رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ، وتركوا رفع اليدين في سائر الأدعية ومنهم من جعل رفع اليدين في كل دعاء ، ومنهم من فرق بين دعاء الرغبة وبين دعاء الرهبة . ولكن الصحيح ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذ يقول : إن الصحيح في السنة رفع اليدين مطلقا . فقد تواتر في الصحاح أن الطفيل قال يا رسول الله : " إن دوسا (بسكون الواو - إحدى القبائل) قد عصت وأبت فادع عليهم . فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال (اللهم اهد دوسا وأت بهم) " .

وفي الصحيح أيضا أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا لأبي عامر رفع يديه . وفي حديث عائشة رضي الله عنها " لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع رفع يديه ثلاث مرات " رواه مسلم . ويقول ابن تيمية أيضا : رفع اليدين هو الابتهال . وجعل مراتب الرفع ثلاثا :

1- الإشارة بإصبع واحدة . كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم في أكثر خطبه على المنبر يوم الجمعة .

2- المسألة : وهو أن يجعل يديه حذو منكبيه كما في أكثر الأحاديث .

3- الابتهال : وذلك في مواضع ثلاثة : الاستسقاء والاستنصار في الحرب كدعائه يوم بدر ، ويوم عرفة .

ويعلل العلامة السفاريني مشروعية رفع اليدين في الدعاء بقوله : فيه زيادة التذلل إلى الله تعالى فيجتمع للإنسان أحوال الضراعة في مقام العبودية . وأيضا فإن العبد ربما عجز عن إيقاظ قلبه من الغفلة ، وله قدرة على حركة اليد واللسان فيها ، فكان ذلك وسيلة إلى خشوع القلب . وهو نظير رفع السبابة في تشهد الصلاة فيؤخذ الجنان (القلب) ويترجم اللسان .

صلاة الاستسقاء :

سبق أن عرفنا من الحديث السابق أن الرسول صلى الله عليه وسلم استسقى وهو يخطب على المنبر ، حينما أخبره الأعرابي بانقطاع المطر ، وتعرض الحيوان والنبات للهلاك ، فأجرى الله الخير على الفور باستجابة دعاء الرسول ، وظل المطر منهمرا من الجمعة إلى الجمعة التي تليها ، حتى سأل الرسول ربه ، أن يحوله إلى الآكام وبطون الأودية ومنابت العشب والشجر .

فهذا استسقاء بالدعاء أثناء الخطبة . ويجوز تكراره كل جمعة حتى يزول القحط ، وينزل المطر . وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بدون تأخير وبدون صلاة ، استعجالا للخير وزوال القحط عن المسلمين .

ولكن الإعداد لصلاة الاستسقاء في مصلى العيد ، أن يعلن الإمام (الأمير أو الحاكم) يوما يخرج فيه الناس وموعدها وقت صلاة العيد . فيخرج إلى المصلى للاستسقاء متواضعا متخشعا متذللا متضرعا . أي لا يلبس ملابس الزينة .

وبعد أن يعين الإمام موعدا يخرج فيه الناس للصلاة ، يأمرهم بالتوبة من المعاصي ، والخروج من المظالم ، ويحثهم على الصيام والصدقة وترك التشاحن ليكون أقرب لإجابة الدعاء ، فإن المعاصي سبب للجدب ، والطاعة سبب للبركات . قال تعالى﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (96 : الأعراف) وفي الموعد المحدد للصلاة يصلي الإمام بالناس ركعتين يكبر فيهما سبعا في الركعة الأولى وخمسا في الركعة الثانية كما يكبر في صلاة العيد ويجهر فيهما بالقراءة . ثم يصعد إلى المنبر فيثن على الله بما هو أهله ويدعو الناس إلى التوبة ، ويحول ظهره إلى الناس ويستقبل القبلة ويحول رداءه (تفاؤلا بتغيير الله للحال) . ويحول الناس أرديتهم كما يفعل الإمام .

ومن الأدعية المأثورة التي يدعو بها الإمام حال الخطبة :

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلته قوة على طاعتك ، وبلاغا إلى حين .

اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك ، وأحي بلدك الميت .

اللهم اسقنا غيثا مغيثا سحا غدقا هنيئا مريئا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل .

اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكوه إلا إليك .

اللهم أنبت لنا الزرع ، وأدر لنا الضرع ، واسقنا من بركات السماء ، وأنزل علينا من بركاتك ، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع ، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك . اللهم انا نستغفرك إنك كنت غفارا ، فأرسل السماء علينا مدرارا .

(هذه الدعوات مستمدة من كتب السنة الصحيحة)

هل يجوز الاستسقاء بالميت ولو كان نبيا أو وليا ؟

الاستسقاء والاستشفاع بالميت لا يجوز ، لأن الجائز الاستشفاع بالحي الذي يشترك مع المصلين في الدعاء .

قال صاحب المغني : ويستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه (حيا لا ميتا) لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء . فإن عمر رضي الله عنه ترك الاستسقاء بقبر النبيصلى الله عليه وسلم ، واستسقى بالعباس عم رسول اللهصلى الله عليه وسلم .

قال ابن عمر : استسقى عمر عام الرمادة بالعباس فقال (اللهم إن هذا عم نبيكصلى الله عليه وسلم ، نتوجه إليك به فاسقنا . فما برحوا حتى سقاهم الله عز وجل) ولو كان الاستشفاع بالقبور جائزا لفعله عمر واستسقى بقبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن من رسالة الإسلام وصيانة للتوحيد أن نستشفع بالرجل الصالح الذي يشترك مع المصلين ويؤمن (بتشديد الميم) معهم في الدعاء .

والخلاصة أن الاستسقاء ثلاثة أنواع :

1- أكملها الخروج إلى مصلى العيد في يوم يعينه الإمام - على نحو ما ذكرناه .

2- يليه في الفضل استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر .

3- الدعاء إلى الله عقب صلوات المسلمين وفي خلواتهم .

والله ولي التوفيق

محمد علي عبدالرحيم


   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 12 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ