مصدر القرآن كما بينه القرآن

الحضارة والكيان الإنساني

 
عرض المقال
 
 
الحضارة والكيان الإنساني
617 زائر
21-10-2010
الشيخ : صفوت نور الدين

قامت الحضارة الحديثة على الفكر البشري والإبداع العقلي بالنظر في الخواص التي أودعها الله سبحانه في المادة ؛ فاستفادوا منها في الصناعات المختلفة ، فكان من نتاج ذلك مراكب تنقل أجسامهم ، قال تعالى عنها : ( وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُون )[النحل :8] ، وكان منها أجهزة أخرى تنقل أصواتهم وصورهم ، وثالثة تنقل أوراقهم وكتابتهم ، وكان منها ما نراه اليوم من الأجهزة الحديثة المتنوعة التي خرجت من إبداع العقل البشري .

وينبغي ألا ننسى أن هذه الخواص أودعها الله في المادة فنذكره ونسبحه عند التعرف عليها، من فعل ذلك فهم العلماء ؛ لقوله تعالى : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )[فاطر :28]، فكل علم لا يذكَّر الله ولا يزيد صاحبه خشية لله فليس بعلم .

فالله سبحانه أودع في المادة خواصها ، و لو شاء غيرها .

فمن رحمته أن أبقاها ، وبرحمته سبحانه يغيرها .

فالله هو الذي أفقد النار لإبراهيم إحراقها ؛ فكانت عليه بردًا وسلامًا ، وهو الذي أفقد الماء لموسى جريانه ؛ فصار كالجبل ،وهو الذي أفقد الحديد في يد داود صلابته وألانه وهكذا فالله يفعل ما يشاء .

والله الذي خلق لنا ما في الأرض جميعًا ؛ لنستمتع به قد أنزل دينًا وأمرنا باتباعه والسير عليه، وأن الذين يخالفونه سيصيبهم شقاء الدنيا وعذاب الآخرة ، لكنْ غرَّ الناس بريقُ الدنيا وزخرفها ؛ فأخذوا يركضون وراء البريق الزائف ظانين أن هذا هو السعادة والتقدم والرقي، حتى هجروا كل فضيلة شرعها الله ، وارتكبوا كل رذيلة حرمها الله سبحانه .

فوصلوا إلى مستوى أدنى من الحيوان في عيشه وعلاقاته، فكانت لهم قلوب لا يعقلون بها، وآذان لا يسمعون بها، صار الداء العضال يجري في أوصالهم يفتك بهم، فلا يحاولون له دفعًا.

الأمراض الفتاكة تقضي عليهم، ولا يلتمسون لها علاجًا.

كل واحد يتألم بغير أن يدفعه الألم ليعالج نفسه، أو يخفف الألم عن غيره.

أكبر الدول اليوم قامت حضارتها على عقول استوردتها من جميع بلاد الدنيا.

جعلت في كل بلد لها مندوبين متخصصين ، ينظرون خيرة العقول المفكرة والأيدي الصانعة ، حتى إذا وجدوها أغروها بعروض مالية كبيرة وزخارف دنيوية بالغة - إن هم هاجروا إلى بلادهم - فجذبوا الكثير من العقول والأيدي لتعمل عندهم ، وأغدقوا عليهم العطاء المادي ، ويسروا لهم البحث والمعامل والاختراع ، ووجد كل واحد منهم بغيته وهوايته ، حتى صار يقضي عمره في معمله يبدع وينتج ويبحث ، لا يكاد يخرج من دائرة بحثه ولا من نطاق معمله ، يقضي فيه عمره ، ويتعلق به قلبه ، أعطوه المال وفيرًا ، فأخذ يغدق به على ذويه ؛ ليعوضهم غيابه عنهم ، ويطلب منهم أن يحلوا مشكلاتهم بالمال ، ويعالجوا به حياتهم ، ويستخدموه فيما يشاءون .

ظن بذلك أنه وفر لهم أفضل الحياة ورباهم خير تربية، مع أنه تركهم لتعليم غريب ملحد، وإعلام ماجن فاسد.

وبعد سنوات خلت حانت منه إليهم التفاتة ، فإذا الأبناء لا يعرفون شيئًا عن دين أو رب أو إله معبود .

لا يعرفون قيمًا ولا حرامُا من حلال.

قيمهم في المادة حولهم، وفي الشهوات تعرض عليهم، والمخدرات والفواحش، انغمسوا في ذلك، والقانون يحميهم، ويمنع كل من يقف في طريقهم.

نظر صاحب هذا العقل الفذ، والعمل المنتج، والاختراعات الحديثة البارعة، بعد سنوات طويلة، إلى أبنائه وقد كبروا، وشبوا، وقوي عودهم، واكتمل بنيانهم فوجدهم فجأة بغير أن يشعر بالمقدمات: الولد يُدمن المخدرات، والبنت تحمل من السفاح.

فلما عارض البنت في علاقاتها الآثمة الماجنة ، إذا بها - كما علموها في دور العلم عندهم - تستغيث بالشرطة ؛ فخفوا لنجدتها من أبيها وشرفه ، وهددوا صاحب العقل الفذ ، والاختراع النافع ، إن هو تعرض لها ؛ فمصيره السجن يدخل فيه ، والعقوبة الشديدة تقع عليه ، بالسلاح والقوة يحمون الرذيلة ، ويهددون الفضيلة .

نظر بعد فوات الأوان، وأفاق بعد طول زمان، كل شيء من حوله تفلت.

لا يستطيع أن يرجعهم إلى بلده، ولا أن يجعلهم ينطقون بلغته، ويفهمون قوله.

ينظرون إليه أنه يسطو على الحريات فيمنعها لأنه رجعي غير متحضر.

قامت الحضارة على عاتقه، لكنه غير متحضر.

نعم ، هذا النابغة وأمثاله ليسوا متحضرين ، بل متخلفون ، ليسوا أكثر من حمالين ، أو أدوات تحمل الحضارة .

وهكذا تعاملهم الحضارة في أول صدام حدث بينها وبينهم.

صار أبناء النابغة بلهاء متسكعين، المال لا يرفعهم، والغنى لا يحرسهم. فقدوا كل شيء ، نظر صاحب العقل فوجد أنه قد باع نفسه بأبخس الأثمان .

باع ولده وابنته وزوجه . باع عرضه وشرفه وهويته .

ذلك لأنه تعلق بزخارف الحياة ، ولم ينتبه إلى شرع الله ودينه ، لم يراع حلاله وحرامه .

لم يقوم نفسه وزوجه وولده .

حتى وجد التفسخ قد بلغ أقصاه، وجد أنه لما وقف في هذا التيار يريد له تغييرًا؛ جرفه التيار.

لم ينظروا إلى قيمة أبحاثه ومخترعاته، ولا إلى ما قدمه للأمم حوله ليستفيدوا منها.

وجد نفسه يُلْقَى على الأرض كالمتاع الذي فقد صلاحيته .

هكذا هو كالأوراق الحديثة تستخدم مرة واحدة ثم تلقى على الأرض.

كأوراق التنظيف تلقى بعد استخدام واحد.

كأكياس التغليف، كل شيء في الحضارة يستخدم لمرة واحدة، ثم يلقى في القمامة، وهكذا العقلاء بعقولهم يكونون عند هؤلاء.

هذا الإنسان صاحب الكيان الكبير .

استخرج ما عنده، ولما أراد أن يوجه ولده وزوجه وابنته، بعيدًا عن الانحراف، بعيدًا عن العار، بعيدًا عن المخدرات، تعاون الجميع؛ فألقوه في القمامة.

قد انتهى دوره ، فهو كسائر الأشياء من حوله ، يستخدم مرة واحدة .

لا تزال تلك اللعبة الخطيرة كما هي حتى اليوم.

هذه البلاد تبث مندوبين لها في كل بلاد الدنيا، تستورد لها العقول.

ألم تمتلئ بالعقول ؟! ألم تكتف بما استوردته ؟! إن كل بلاد الدنيا تربي عقولاً.

وهي تستهلك العقول .

كل بلاد الدنيا تخرج من وراء الأفذاذ.

بينما هم يخرجون من وراء الأفذاذ بلهاء.

تستخدم العقول مرة واحدة، ثم تحطم أصحابها في أول صدام لها لتلقيها في القمامة.

استوردوها بالأموال، لكنهم تركوا الأموال والمخترعات، وخرجوا منها بغير شيء، لكل ذلك ينادي علماء الإسلام بالتحذير من السفر إلى بلاد الكفر وخطره على العقيدة والأخلاق، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 28 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ