الزواج

رمضان شهر التقوى

 
عرض المقال
 
 
رمضان شهر التقوى
706 زائر
21-10-2010
الشيخ : صفوت نور الدين

يقول الله سبحانه وتعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُكَمَا كُتِبَ عَلَى ‏الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ] [ البقرة : 183 ]

فالصيام من أكبر أسباب التقوى؛ لأن فيه امتثال أمر الله تعالى واجتناب نهيه، ‏فمما اشتمل عليه من التقوى أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب ‏والجماع ونحوها التي تميل إليها نفسه متقربًا بذلك إلى اللهراجيًا بتركها ثوابه، ‏فهذا من التقوى ومنها أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته ‏عليه لعلمه باطلاع الله عليه‏.

ومنها أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، ‏فبالصيام يضعف نفوذه وتقل منه المعاصي.‏

ومنها أن الصائم - في الغالب - تكثر طاعته ، والطاعات من خصال التقوى.

ومنها أن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقير المعدم، وهذا من ‏خصال التقوى.‏ فإذاكان الأمر بالصوم خاصًّا بالمؤمنين مقارنًا ذلك بأن الله افترضه على الذين من ‏قبلهم حتى ينافسوهم في الخيرات، فإن الله سبحانه يأمر الناس جميعًا بالأمر ‏العام مكلفًا إياهم بالعبادة التي هي امتثال لأوامر الله سبحانه، واجتناب لنواهيه،وتصديق لخبر رسوله الذي بعثه، ويقول سبحانه : [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ‏رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْوَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ] [ البقرة : 21 ]،ولذلك خلقهم[وَمَاخَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] [ الذاريات : 56]

وهو ربهم الذي ‏رباهم بأنواع النعم، فخلقهم بعد عدم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، ‏فجعل لهم الأرض فراشًا يستقرون عليها ويبنون ويزرعون، وخلق لهم كل شيء ، ‏ثم علل ذلك بقوله :[لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ]. ‏وقد وردت التقوى بمادتها في القرآنالكريم في قرابة ثلاثمائة موضع من الكتاب ‏الكريم، حتى يمكن أن يقال: إن الغايةمن رسالة الإسلام، بل ومن جميع ‏الأديان هي تحصيل التقوى. ‏حيث يقول القرآن الكريم على لسان نوح وهود ولوط وشعيب ، كل نبي يخاطب ‏قومه بقوله :[فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ] [آل عمران : 50]

ولقد بينت آيات القرآن ‏الكريم أثر التقوى؛ فمنهاآثار يجعلها الله للعبد في الدنيا منها: [وَمَنْيَتَّقِ اللَّهَ ‏يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا] [الطلاق : 4] وقوله تعالى:[وَمَنْيَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ ‏مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ ] [الطلاق : 2 ، 3 ] ‏ومنها قوله عز وجل: [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ] [البقرة : 282 ] وقوله ‏سبحانه: [إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُون] [النحل:128 ]

‏ومنها ما يجعله الله للعبد في الآخرة، فبها تفتحأبواب الجنة: [وَسِيقَ الَّذِينَ ‏اتَّقَوْارَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ‏سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْفَادْخُلُوهَا خَالِدِين][الزمر : 73 ]

‏والتقوى تزيل الخوف وتجلب الأُنس في الآخرة : [ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ‏عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ*يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُوا ‏بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ *ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ] [ الزخرف : ‏‏67 – 70 ] ‏ويقول سبحانه : [ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ‏‏] [ القمر : 54 ، 55 ]

‏وتقوى الله عز وجل دافع للعبد أن يعمل الخير وأن يجتنب الشر ؛ لذا كان النبي ‏صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه بالحث على التقوى بقوله تعالى :[ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ‏ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ] [ آل عمران : 102 ] [ ‏يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ ‏مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ ‏رَقِيبًا ] [ النساء : 1 ] [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا ‏سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ ‏فَوْزًا عَظِيمًا] [الأحزاب : 70 ، 71 ]

‏فكانت تقدم هذه الآيات بين يدي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الخطب، ‏فتحث السامع على سرعة الإقدام للعمل بالصالحات واجتناب السيئات، وكذلك ‏يذكر المولى سبحانه في اجتناب الشرور أن الدافع له تقوى الله سبحانه، كقوله ‏تعالى [وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ] [ البقرة : ‏‏282 ] وكقوله سبحانه : [ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ][ مريم : 18 ] ‏وقوله سبحانه : [ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ][ البقرة : 283 ] ‏فإن التقوى مانع من بخس الحق أو إضاعة الأمانة أو التعدي على حرمات النساء، ‏بل إن الله سبحانه ليقول ذلك في قوله تعالى : [ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ ‏تَقْوَى الْقُلُوبِ ] [ الحج : 32 ]

وفي حديث الثلاثة الذين مالت صخرة فسدت عليهم فوهة الغار، تقول المرأة لابن ‏عمها الذي تمكن منها : اتق الله ، ولا تفض الخاتم إلا بحقه . فقام عنها وتركها .‏

ولذا كانت الوصية بها من الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما قالوا : يا رسول ‏الله ، كأنها موعظة مودع فأوصنا ، قال : [أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ].‏هذا ، وإن مفهوم التقوى في مفتتح سورة ( البقرة ) ، يقول سبحانه [الم * ذَلِكَ ‏الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا ‏رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ ‏يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون][البقرة : 1 – 5 ]

وبينها ربنا سبحانه وتعالى في قوله : [ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ‏وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ ‏وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا ‏عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ ‏الْمُتَّقُون ] [ البقرة : 177 ]

‏فهذا شهر رمضان الذي قال عنه سبحانه وتعالى : [ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ‏الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ] ‏‏[ البقرة : 185 ]

وظهر أثر الصوم عليه في إخلاصه لربه ؛ لذا يقول ربنا في آيات ‏الصيام : [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ‏فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون] [ البقرة : 186 ]

ويقول سبحانه بعد آيات الصيام معقبًا عليها ، كأنها نتيجة لها : [وَلَا تَأْكُلُوا ‏أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ ‏وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ] [ البقرة : 188 ] ، فمن ترك الطعام الحلال لله في نهار رمضان ، ‏تعلم التقوى ، فلم يأكل أموال الناس بالباطل بالرشوة عطاءً أو أخذًا .‏فهذا رمضان شهر معالجة أدواء النفوس وجمع القلوب ووحدة الصف وهجران ‏المعاصي ولزوم الطاعات ، فليتق الله دعاة الباطل والشر ، ولتنظر نفس ما قدمت لغد ‏‏، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول حاكيًا عن جبريل قوله : [ بَعُد من أدرك ‏رمضان ولم يُغفر له ]. ذلك لواسع فضل الله سبحانه وعظيم عطائه ومغفرته في هذا ‏الشهر الكريم .‏فاللهم نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب ‏إليها من قول وعمل .‏

والله من وراء القصد .‏

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 14 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ