لا ناصر إلا الله

ما يستحب فى رمضان

 
عرض المقال
 
 
ما يستحب فى رمضان
934 زائر
07-08-2011
مصطفى البصراتى
ما يستحب فى رمضان
مصطفى البصراتى
الحمد لله الذي فتح لنا أبواب الطاعات، ويسرها لنا، ودلنا عليها، وأصلي وأسلم على خير خلقه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعدُ: فإن الله عز وجل جعل لنا من الأعمال الفاضلة والطاعات المتتالية ما تقرّ به الأنفس، وتهنأ به الصدور، ويتسابق فيه المتسابقون؛ طمعًا في رضوان الله ورحمته، ورجاء جنته وخوف عقابه، ومن أجمع الأوقات لهذه الأعمال شهر رمضان، وقد جمع فيه رب العالمين سبحانه من الأعمال ما تفرق في غيره، ومن الأعمال التي يُستحب للعبد فعلها في رمضان:
1- يُستحب للصائم تأخير السحور وذلك قبل الفجر: فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسحور وأبان الحكمة في ذلك؛ كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تسحروا، فإن في السحور بركة» [متفق عليه]، وسَحور بفتح السين؛ ما يُتسحر به وبضمها الفعل، والبركة مضافة إلى كل من الفعل وما يتسحر به جميعًا.
فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسحر، الذي هو الأكل والشرب وقت السحر، استعدادًا للصيام، ويذكر الحكمة الإلهية فيه، وهي حلول البركة، والبركة تشمل منافع الدنيا والآخرة.
فمن بركة السحور؛ ما يحصل به من الإعانة على طاعة الله تعالى في النهار، فإن الجائع والظامئ يكسل عن العبادة. ومن بركة السحور أن الصائم إذا تسحر لا يمل إعادة الصيام، خلافًا لمن لم يتسحر فإنه يجد حرجًا ومشقة يثقلان عليه العودة إليه. ومن بركة السحور: الثواب الحاصل من متابعة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن بركته أيضًا: أن المتسحر يقوم في آخر الليل فيذكر الله تعالى، ويستغفره ثم يصلي صلاة الفجر جماعة، بخلاف من لم يتسحر. وهذا مشاهد.
فإن عدد المصلين في صلاة الصبح مع الجماعة في رمضان أكثر من غيره من أجل السحور. ومن بركة السحور أنه عبادة، إذا نوى به الاستعانة على طاعة الله تعالى، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولله في شرعه حكم وأسرار.
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر». [مسلم 1096].
ويتحقق السحور ولو بجرعة ماء؛ لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا ولو بجرعة من ماء». [رواه ابن حبان بسند حسن وصححه الألباني في صحيح الترغيب 1071]. والأفضل أن يجعل في سحوره تمرًا؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم سحور المؤمن التمر». [رواه أبو داود 2345 وصححه الألباني].
ويستحب تأخير السحور إلى آخر الليل وهذا إجماع، فعن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت رضي الله عنه تسحَّرا، فلما فرغا من سَحُورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فصلى». قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: «كقدر ما يقرأُ الرجل خمسين آية». [متفق عليه]. ولأن المقصود بالسحور التقوِّي على الصوم، وما كان أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم، وأما الجماع فلا يستحب تأخيره؛ لأنه ليس مما يتقوى به، وفيه خطر وجوب الكفارة، وحصول الفطر به.
2- ويستحب تعجيل الفطر بعد الغروب، وهذا إجماع؛ لحديث سَهْل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزالُ الناسُ بخير ما عجلوا الفطر». [متفق عليه]. وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهو صائم، فلما غربت الشمس قال لبعض القوم: «يا فلان، قم فاجدح لنا». فقال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: «انزل فاجدح لنا». قال: يا رسول الله، فلو أمسيت. قال: «انزل فاجدح لنا». قال: إن عليك نهارًا. قال: «انزل فاجدح لنا». فنزل فجدح لهم، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم». [البخاري 4991]. والجَدْح: أن يُحَرك السَّويق بالماء حتى يستوي. ويستحب أن يفطر على تمر وإلا فعلى ماء؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حَسَا حسواتٍ من ماء. [أبو داود 2356 وصححه الألباني].
3- ويستحب أن يدعو عند الإفطار: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تُرد دعوتهم..» وذكر منهم: «الصائم حتى يُفطر». [رواه الترمذي وصححه الألباني]. ويستحب أن يدعو بما ورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله». [رواه أبو داود 2357 وحسنه الألباني].
4- ويستحب للصائم في رمضان أن يجود بالخير: فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاهُ جبريل فيدارسُه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. [متفق عليه] وأخرجه الإمام أحمد بزيادة في آخره، وهي: «لا يُسأل عن شيء إلا أعطاه». والجُودُ هو سعةُ العطاء وكثرته، والله تعالى يوصف بالجود ولِمَا كان الله عز وجل قد جبل نبيه صلى الله عليه وسلم على أكمل الأخلاق وأشرفها، كما في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» [مسند أحمد وصححه الألباني في الصحيحة 45].
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس كلهم، وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم وتحمل أثقالهم. وعن أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأشجع الناس وأجود الناس» [متفق عليه]. وفي صحيح مسلم عنه قال: «ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاءَ من لا يخشى الفاقة». [مسلم 2312] وقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يُمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاءً يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر ويعيشُ في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقدُ في بيته نار وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان جوده صلى الله عليه وسلم يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جُود ربه يتضاعف فيه أيضًا، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة.
5- ويستحب الإكثار من تلاوة القرآن الكريم: وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» [البقرة:185]، وكان عمر قد أمر أُبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام. قال ابن عبد الحكم: كان مالكٌ إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن، وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت. قال ابن رجب الحنبلي في «لطائف المعارف»: وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة، كمكة شرفها الله لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان».
6- ويستحب للصائم الجمع بين الأعمال الصالحة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح فيكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تصدق بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» [مسلم 1028].
والجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصًا إن ضم إلى ذلك قيام الليل، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصيامُ جنة». [رواه النسائي، وهو صحيح، وهو قطعة من حديث أخرجه البخاري]. وفي حديث معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وقيام الرجل من جوف الليل». يعني أنه يطفئ الخطيئة أيضًا. [ابن ماجه 3973 وصححه الألباني]. وروى البخاري عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» [البخاري 1417].
7- ويستحب للصائم في رمضان قيام ليله: قال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». وقال صلى الله عليه وسلم: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة». [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني].
ويستحب له الاجتهاد في قيام ليالي رمضان كلها ليدرك ليلة القدر، ففي الصحيحين عن أبي هريرة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» [متفق عليه].
قال ابن رجب: المعول على القبول لا على الاجتهاد، والاعتبار بما في القلوب لا بعمل الأبدان. رُبَّ قائم حظه من قيامه السهر، كم من قائم محروم، ومن نائم مرحوم هذا نام وقلبه ذاكر، وهذا قام وقلبُه فاجر. لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات، وكل مُيَسّر لما خُلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى» [الليل:5- 10].
8- ويستحب للصائم في رمضان الاعتكاف: فعن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى» [متفق عليه]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين» [البخاري 2044]. وإنما كان يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشر يطلب فيها ليلة القدر. والاعتكاف مشروع مستحب باتفاق أهل العلم، وقد حافظ صلى الله عليه وسلم على الاعتكاف في العشر الأواخر كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم.
والاعتكاف فرصة عظيمة لتربية النفس، وجهاد الهوى والبعد عن الشواغل والصوارف، وكثرة المطاعم والمآكل والتفرغ لقراءة القرآن والذكر وقيام الليل.
9- ويستحب في رمضان أداء العمرة للمستطيع: فمن الأعمال المستحبة في رمضان أداء العمرة ورتب لمن قام بها فضلاً عظيمًا؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العُمرة إلى العُمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [متفق عليه].
وفي رمضان يتضاعف هذا الفضل العظيم والأجر الجزيل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من حجة الوداع قال لامرأة من الأنصار اسمها أم سنان: «ما منعك أن تحجي معنا؟» قالت: أبو فلان – زوجها – له ناضحان، حج على أحدهما، والآخر نسقي عليه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة». أو قال: «حجة معي». [مسلم 1256].
والأعمال المستحبة في رمضان كثيرة ليست محصورة فيما ذكرت، ولكن هذا ما تيسر لي جمعه من كلام أهل العلم، والله أسأل أن يوفقنا إلى طاعته ومرضاته إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 19 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ