يوسف
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

كيف نستقبل شهر الطاعات

 
عرض المقال
 
 
كيف نستقبل شهر الطاعات
941 زائر
08-08-2011
غير معروف
أسامه سليمان
كيف نستقبل شهر الطاعات
أسامه سليمان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعدُ: فإن لشهر رمضان منزلة ومكانة في قلوب المؤمنين، وذلك لأنه شهر لين القلوب، وفعل الخيرات، وترك المنكرات، فكيف نستقبل هذا الضيف العزيز الذي غاب عنا أحد عشر شهرًا، ثم ها هو يأتينا بعد فراق، ونلاقيه بعد بعاد، يأتينا بعطاياه ومِنَحه، فهو شهر القرآن وشهر القيام، شهر العتق من النيران، تُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق أبواب النيران، شهر ليلة القدر.
1- شهر الرحمة والمغفرة والصبر والتقوى، شهر الأجور العظيمة والفضائل الكثيرة: فحري بالمسلم أن يستقبله أحسن استقبال، وأن يستعد له لينتفع منه أعظم نفع، فيخرج منه وقد زكت نفسه، وطهر قلبه، «) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا » [الشمس:9، 10]، وقد أدرك السلف قيمة هذا الشهر الكريم، ولذا كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يظلهم رمضان، وإذا انتهى بكوا على فراقه، وسألوا الله القبول الأشهر الأخرى.
والناس يتفاوتون ويتفاضلون في استقباله، فمنهم من استهوته الشياطين فيستقبله بالاحتفالات والأغاني والأناشيد والموسيقى، ومنهم من يستقبله بإعداد برامج رياضية وسهرات ليلية فيها التبرج والسفور والفجور ولقاءات مع المطربين والمطربات والممثلين والممثلات؛ ليشغلوا الناس عن الطاعات، ومنهم من يستقبله بالنزول إلى الأسواق لشراء ألوان الطعام والشراب.
بيد أن هناك عبادًا عرفوا للشهر قدره؛ فراحوا يستقبلونه بالتوبة والعمل الصالح، وشكر الله بالقلب واللسان والجوارح، فبادروا بالإقلاع عن الذنوب والمعاصي، وتخلصوا من قيد الشهوات وزوال المعاصي والموبقات، فأحسنوا التوبة النصوح، يقول جل شأنه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [التحريم:8].
ويقول جل شأنه: « أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » [المائدة:74]. فلنبادر بالتوبة في هذا الشهر الكريم عسى الله أن يقبل توبتنا؛ لفضل الزمان ولتحقيق شروط التوبة مِن ندمٍ على المعاصي، وعزمٍ على عدم العودة إليها، وإقلاعٍ عن المعصية وأصحابها، ورد المظالم إلى أهلها قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، وصدق خير المرسلين صلى الله عليه وسلم: «من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلله منها قبل أن لا يكون درهم ولا دينار» [رواه البخاري والترمذي].
التعجيل بالتوبة
فالظلم كل الظلم ألا نعجل بالتوبة النصوح: « وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » [الحجرات:11]. وكفى بالتوبة شرفًا أن الله يحب أصحابها: « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » [البقرة:222]. والتوبة تمحو الذنوب حتى وإن كانت كالجبال، وتقي سوء الخاتمة التي هي سببُ الهلاكِ والعذاب: « فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ » [سورة التوبة:74].
ومن رحمة الله تعالى بعباده أن وسّع باب التوبة، وجعله مفتوحًا لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، فضلاً عن فرح رب العالمين بتوبة عبده العاصي مع أنه الغني عن العالمين، يقول سبحانه: « وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ » [الأنعام:133]، فلنسارع بالتوبة قبل استقبال هذا الضيف العزيز، ولنبادر بها لنكون من الفرحين بالطاعات، الفرحين عند لقاء رب البريات، فللصائم فرحتان؛ فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه. [صحيح مسلم 1151] ومن الأمور المهمة عند استقبال هذا الشهر الكريم: التفقه في أحكام الصيام، ومعرفة هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان، فلندرس شروط الصيام والمفطرات، وما يجوز، وما لا يجوز بالنسبة للصائم، وأحكام صلاة القيام، فضلاً عن آدابه وسننه، وأحكام الأعذار المبيحة للفطر من سفر ومرض؛ لنكون على بصيرة ونعبد الله بما شرع، فكل عبادة يجب أن تكون صحيحة موافقة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تكون مقبولة، قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [متفق عليه].
إدخال السرور على المسلمين
فهو شهر تُفتح فيه أبواب الخير، سواء كانت دنيوية أم أخروية، فوسّع أخي على إخوانك وأهل بيتك وأرحامك وجيرانك، فأفضل الأعمال أن تُدخِل على أخيك المسلم السرور، وتقضي عنه دينًا، أو تطعمه خبزًا. [صحيح الجامع: 1096]. فلنتحول في هذا الشهر من الإساءة إلى الإحسان، ومن التقاطع إلى التعاطف والتراحم، فنُطعم إخواننا مما نَطعم، ولندخل السرور عليهم، ولنشاركهم قضاء حوائجهم، ولننفس عنهم كروبهم، فمن نفّس عن أخيه كربة نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. [صحيح مسلم] فلنجعل رمضان ملتقى للأحبة وسائر الأرحام والإخوان في طاعة الرحيم الرحمن.
النظافة والتطهير
ونقصد بها النظافة الباطنة والظاهرة، والنظافة الباطنة هي نظافة القلب من الشرك والمعاصي، كبائر كانت أم صغائر، ونظافة الظاهر بالطهور من غسل ووضوء، وطهارة البدن؛ وذلك التخلي يسبق التحلي، فقبل أن نتحلى بصيام رمضان لا بد أن نتخلى عن النجاسات بنوعيها الباطنة والظاهرة: « فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا » [سورة التوبة:108].
حسن الخُلق ولين الجانب وعفة اللسان والرحمة بالصغير وتوقير الكبير وهذه المعاني يجب أن نجعلها نقطة تحول في هذا الشهر الكريم، فكما أن رمضان تتغير فيه العادات التي ألفها المرء طوال العام، فلا بد أن ينعكس هذا التغير على خُلقه الذي هو أثقل ما يوضع في الميزان حتى إنه لينال بحسن خُلقه درجة الصائم القائم، ففي الحديث: «إن المؤمن ليدرك بحُسن الخُلق درجة القائم الصائم». [صحيح الجامع: 1932].
وفي الحديث أيضًا: «أثقل شيء يُوضع في الميزان: الخُلق الحسن». [صحيح الجامع: 135]. وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن البر هو حسن الخلق [صحيح مسلم]، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
فلنبادر بالتحول في موسم الطاعات وشهر البركات والنفحات من الفُرْقَة إلى الوحدة، ومن التحزب والتعصب إلى المودة والرحمة، ومن الفحش والتفحش واللعن والسباب إلى الحلم والعفو والصفح والتغاضي عن الزلات، ولنجعل رمضان منطلقًا للألفة ومقاطعة للسب والتلاعن والهجر؛ مصداقًا لقوله سبحانه: «) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » [آل عمران:159]، والراحمون يرحمهم الرحمن، ومن لا يَرحم لا يُرحم.
التقلل من الطعام
فهو من مقاصد الصيام لإعطاء المعدة فرصة للراحة وإعطاء النفس فرصة للطاعة، فكثرة الطعام تقسي القلوب حتى تجعلها كالحجارة وتثقل الطاعة على النفوس، ولذا فمن أراد الاستمتاع بالذكر والصلاة، فلا يكثر من الطعام بل يخفف منه، فإن قلة الطعام توجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب.
قال محمد بن واسع: من قل طعامه فهم وصفا ورق، وإن كثرة الطعام تمنع صاحبها عن كثير مما يريد. وقال سلمة بن سعيد: إن كان الرجل ليعيّر بالبطن كما يُعيّر بالذنب يعمله. وقد تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كف عنا جشاءك، فإن أطولكم شبعًا في الدنيا أطولكم جوعًا يوم القيامة». [رواه الترمذي وحسنه الألباني].
معرفة شرف الزمان
ذلك لأن الوقت هو الحياة، وهو رأس مالك الذي تتاجر فيه مع الله، وتطلب به السعادة، وبقدر ما تفقده منه في غير الأعمال الصالحة تفقد من السعادة في الآخرة بقدره. قال ابن الجوزي: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف وقيمة وقته فلا يضيع فيه لحظة في غير قُرْبَة. ورمضان – إخواني – من أنفس لحظات العُمر،، وهذا يشير إلى كونها قليلة وسرعان ما تنقضي فهي سريعة الرحيل. فبادر أخي باغتنام الأوقات في هذا الشهر الكريم، فمشقة الطاعة تمر ويبقى أجرها عند الله، فساعة الذكر والطاعة ثروة وغنى، وساعة اللهو إفلاس وندامة. والله من وراء القصد.
   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 15 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ