سلسلة السيرة النبوية

دروس تربوية من حج سلف الأمة

 
عرض المقال
 
 
دروس تربوية من حج سلف الأمة
1776 زائر
05-11-2011
عبد العزيز مصطفى الشامى
دروس تربوية من حج سلف الأمة
إعداد/ عبد العزيز مصطفى الشامى
الحمد لله رب العالمين، سبحانه وتعالى له الحمد كله والثناء الجميل، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد.. فقد اتصف السلف رحمهم الله في حجهم بصفات عظيمة أدهشت العقول؛ فقد كانوا بحق جيلاً فريدًا في إيمانهم بالله تعالى، ويقينهم، وصدقهم، وحسن توكلهم على الله تبارك وتعالى، ومن ذلك أنهم كانوا على فقهٍ سليمٍ لحقيقةِ الحجِ وَمقصدِهِ وَحكمتهِ وَغَايتهِ. كما تميزوا بقوةٍ في العَبادةِ، وَصدقٍ في الالتجاء، والخضوع بين يدي الربّ سبحانهُ وَتعالى، وصفاء أرواحٍ تستشعرُ قربها مِنْ الله في هذه الشعيرةِ العظيمةِ، مع إخاء ومحبة وبذل وعطاء... والجدير بالذكر أن السلف الصالح كانوا على جهود متنوعة في العبادة، كلٌّ يتعبد الله بما يُسّر له بما لا يخرج عن دائرة اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك صحابته الكرام. فمنهم من يُسِّر له الصلاة.. ومنهم من فُتح له في الإكثار من الحج والعمرة، ومنهم من يُسِّر له الذكر والدعاء... وآخرون في الزهد وعمل القلوب والبكاء من خشية الله.. وصنف منهم فاقوا غيرهم في الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرهم نبغ في العلم والدعوة.. وهذا كله يعود إلى ما ييسره الله للإنسان ويفتحه له، وصدق ربنا تبارك وتعالى إذ يقول: « وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ َ» [العنكبوت: 69] فلا بد أن يفقه المرء منا نفسه وطاقتها وميلها.. وهذا الفقه مطلوبٌ شرعًا ليتميز في جانب من جوانب عبادة الله ونفع الخلق بعد أداء الفرائض التي لا ينفك عنها الجميع.
معالم حج السلف الصالح
أولاً: عناية السّلف بالتوحيدِ ونبذ الشرك وتعظيم أمر الله
الحج شعاره التوحيد؛ إذ الحج نوع من القصد؛ فهو من توحيد الإرادة والقصد (توحيد العبادة)، وفيه الدعاء والتضرع إلى الله - تعالى - في جميع مناسك الحج، والدعاء هو العبادة، إضافةً إلى ما يحويه الحج من قصدٍ مخالفة المشركين ومجانبة أصحاب الجحيم، وأيضًا فدين الله - تعالى - قائم على أصلين: أحدهما: ألا نعبد إلا الله، والآخر: أن لا يُعبد إلا بما شرع؛ فلزوم الشرع المنزَّل هو آكد وأجلُّ أصول الدين. ولا فائدة من حجٍّ لا يقوم على التوحيد ونبذ الشرك، وإنّ مَنْ يستغيث بغير الله وهو متلبس بشعيرة من أعظم الشعائر أو يذبح لغير الله، ويتوسل بالأولياء والصالحين.. ويدعوهم من دون الله.. لم يستشعر أنّ الحج شُرع في الأصل لتوحيد الله عز وجل، قَالَ تعالى: « وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ » [الحج: 26]. فللتوحيدِ أُقيمَ هذا البيت مُنذُ أوَّل لحظة عرَّف الله مكانه لإبراهيم عليه السلام، وملَّكه أمره ليقيمه على هذا الأساس: « أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ».
وقال تعالى في سياق آيات الحج: « حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ » [الحج: 31]. وفي القرآن الكريم سورة تُسمّى «سورة الحج»، كلها تتحدث عن التوحيد والعبادة، ونبذ الشرك بجميع صوره، وتنعى على أولئك الذين يعبدون غير الله تعالى، أو يدعون من دونه ما لا يضرهم ولا ينفعهم، بل يدعون مَن ضَرُّه أقرب من نفعه. وفي حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: «ثم أهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» [رواه أحمد 14440 وابن خزيمة في صحيحه 2626 وصححه الألباني]. ومما يُشرَعُ في يوم عرفة الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاصٍ وصدقٍٍ، ففي حَدِيثِ عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» [رواه الترمذي 3585 وحسنه الألباني]. كما أنهم كانوا يقفون عند حدود الله، ويعظمون حرماته تبارك وتعالى، وهذا التعظيم امتثال لأمر الله عز وجل في قوله في سياق آيات الحج: « ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ » [الحج: 30]. فهل عظَّم الحاج حرمات الله في واقعه اليومي وفي الحج أيضًا؟!
ثانيًا: عناية السلف بكثرة الحج
الأصلُ أنَّ متابعة الحج والعمرة مرغبٌ فيها شرعًا، ففي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» [رواه الترمذي 810 وصححه الألباني]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [متفق عليه]. وقال أبو غالب: قَالَ لي ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: «أَدْمِن الاختلافَ إلى هذا البيت، فإنك إنْ أدمنتَ الاختلافَ إلى هذا البيت؛ لقيتَ الله عز وجل وأنت خفيف الظهر» [أخبار مكة، (1/411)، رقم (886)]. ومن أمثلة حرص السلف على متابعة الحج ما يلي: 1 - قَالَ إبراهيمُ النخعيّ عن الأسود بن يزيد قَالَ: قَالَ عبدُ الله بنُ مسعود: «نُسُكان أحبّ إليَّ أنْ يكونَ لكل واحدٍ منهما: شعثٌ وسفرٌ»، قَالَ: فسافر الأسود ثمانين ما بين حجة وعمرة لم يجمع بينهما، وسافر عبد الرحمن بن الأسود ستين ما بين حجة وعمرة لم يجمع بينهما. [مصنف ابن أبي شيبة، (3/291)]. 2 - وقال ابنُ شوذب: «شهدتُ جنازة طاوس بمكة سنة ست ومائة، فسمعتهم يقولون: رحمك الله يا أبا عبد الرحمن! حَجَّ أربعين حجة» [العلل ومعرفة الرجال (2/463)]. وممن ذُكر أنه حجّ أكثر من أربعين حجة: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وأيوب السختياني، وهمام بن نافع.. وغيرهم كثير. [حلية الأولياء، (2/164)]
ثالثًا: سِيَر الصالحين وأخلاقهم في الحج
من أهم سِيَر هؤلاء الصالحين وأخلاقهم وأعمالهم في الحج ما يلي: 1 - قَالَ مجاهد: قَالَ رجلٌ عند ابنِ عُمر ما أكثرَ الحاج! فقالَ ابنُ عمر: ما أقلهم! قَالَ: فرأى ابنُ عُمَر رَجلاً عَلى بعيرٍٍ عَلى رَحلٍٍ رَثٍّ خطامه حبل، فَقَالَ: لعلَّ هذا. [عبد الرزاق في المصنف (5/19)].
2 - قَالَ الجريري: أحرم أنس بن مالك من ذات عرق، قَالَ: فما سمعناه متكلمًا إلا بذكر الله حتى حلّ، فَقَالَ له: يا ابن أخي هكذا الإحرام [الطبقات الكبرى، (7/22)].
3- قَالَ ابن قدامة تعليقًا على قول أبي القاسم الخرقي: «ويستحب له قلة الكلام إلا فيما ينفع، وقد روي عن شريح أنه كان إذا أحرم كأنه حية صمّاء»: (وجملة ذلك أن قلة الكلام فيما لا ينفع مستحبة في كل حال صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع في الكذب وما لا يحل، فإنَّ مَنْ كثر كلامه كثر سقطه.
وهذا في حال الإحرام أشدُّ استحبابًا؛ لأنه حال عبادة واستشعار بطاعة الله عز وجل فيشبه الاعتكاف، وقد احتج أحمد على ذلك بأن شريحًا - رحمه الله - كان إذا أحرم كأنه حية صماء، فيُستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية وذكر الله تعالى، أو قراءة القرآن، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو تعليم لجاهل، أو يأمر بحاجته أو يسكت، وإن تكلم بما لا مأثم فيه أو أنشد شعرًا لا يقبح فهو مباح ولا يُكْثِر) [المغني، (3/135)].
4 - قَالَ أبو إسحاق السبيعيّ: «حَجّ مَسروقٌ هو: ابن الأجدع فَمَا نَامَ إلاّ سَاجدًا» [الطبقات الكبرى (6/79)]. قَالَ ابنُ مفلح: «باتَ عند الإمام أحمد رجلٌ فَوَضع عنده ماء، قالَ الرجلُ: فلم أقمْ بالليل، ولم أستعمل الماء، فلمَّا أصبحتُ قال لي: لِمَ لا تستعمل الماء؟ فاستحييتُّ وسكتُ، فقالَ: سبحان الله! سبحان الله! ما سمعت بصاحب حديثٍ لا يقوم بالليل. وجرت هذه القصة معه لرجلٍ آخر، فقال: أنا مسافر، قالَ: وإن كنت مسافرًا، حَجَّ مسروقٌ فما نام إلاّ ساجدًا. قال الشيخ تقيّ الدين: فيه أنه يُكره لأهل العلم ترك قيام الليل، وإن كانوا مسافرين» [الآداب الشرعية، (2/169)].
5 - قَالَ محمد بن سوقة عن أبيه إنه حَجّ مَعَ الأَسْود، فكان إذا حضرت الصلاة أناخ ولو على حجر، قَالَ: وَحَجَّ نيفًا وَسبعينَ [الطبقات الكبرى، (6/72)].
6 - وقالَ ضمرةُ بنُ ربيعة: «حَججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة، فما رأيته مضطجعًا في المحمل في ليل ولا نهار قط، كان يصلي، فإذا غلبه النوم استند إلى القتب» [سير أعلام النبلاء، (7/119)].
7 - قَالَ خيثمة: «كَانَ يعجبهم أن يموتَ الرجلُ عند خير يعمله؛ إما حج، وإما عمرة، وإما غزوة، وإما صيام رمضان» [حلية الأولياء (4/115)].
8 - قَالَ ابنُ المبارك: جئتُ إلى سفيان الثوري عشية عرفة، وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تهمِلان، فالتفت إليَّ، فقلت له: مَنْ أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قَالَ: الذي يظنُّ أن الله لا يغفر لهم [حسن الظن بالله، (ص92)]. وفى هذا القدر كفاية ورشاد لمن رام القصد والصواب والحمد لله رب العالمين.
   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 12 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ