قبل أن تغرق السفينة
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

تفسير القرآن الحكيم (2) - سورة الفاتحة الجزء الأول

 
عرض المقال
 
 
تفسير القرآن الحكيم (2) - سورة الفاتحة الجزء الأول
834 زائر
07-07-2012
محمد حامد الفقي

تفسير القرآن الحكيم

من مقالات مجلة الإصلاح

لفضية الشيخ العلامة/ محمد حامد الفقي رحمه الله

إعداد ومراجعة مركز التراث والبحث العلمي

فضيلة الأستاذ الشيخ/ فتحي عثمان

بسم الله الرحمن الرحيم[1]

تفسير القُرآن الحكيم


قد أمَر الله - سبحانه وتعالى - بالاستعاذة من الشيطان الرجيم قبلَ القِراءة؛ فقال - تعالى -: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [النحل: 98].

واختلفوا بأيِّ الألفاظ تكونُ؟ وخيرها ما صحَّ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من هَمزِه ونَفخِه، ونَفثِه))، كما رواه أبو سعيدٍ الخدري[2]، قال الترمذي: هو أصحُّ شيءٍ في هذا الباب.

والهمْز: الموتة، وهي الخنق، والنَّفخ: الكِبر، والنَّفث: قولُ الزور والباطل، ومعنى ((أعوذ بالله)): ألتَجِئُ إليه وأمتنع به ممَّا أخافُه وأحاذره، و((الشيطان)) من شطن بمعنى: بَعُدَ عن الرحمة؛ لأنَّه تمرَّد وتعدَّى حدوده، وهو اسمٌ لكلِّ عاتٍ من الجنِّ والإنس والحيوان، و((الرجيم)) المطرود باحتقارٍ وتصغيرٍ.

والاستعاذَةُ تُطَهِّرُ القلب من كلِّ شاغِلٍ عن الله، وهي إقرارٌ بالعجز والضعف والحاجة والفقر إلى حِفظ الله ورِعايته، وإنما ينتَفِع المستعيذُ بها إذا صدَرتْ عن قلبٍ أحسَّ بحاجَتِه إلى العِياذ، وأحسن اللُّجء إلى السميع العليم.

وقد افتتَحَ الله كتابَه الكريم بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، وهو قُدوَتنا وإمامُنا، فليكنْ من شأننا نحنُ أيضًا أنْ نبدأ باسم الله الكريم كلَّ أعمالنا وجميع شُؤوننا، ومعناه: أنَّنا نعمَلُ الأعمال مُتَبرِّئين من أنْ تكون باسمنا، بل هي باسم ربِّنا، ولأنَّ القوَّة التي تُعِينُنا على العمل أمدَّنا الله بها وأعطانا إيَّاها، ونحن نرجو من أعمالنا وجْه الله وإحسانه ومَثُوبته، فلولا اللهُ - تعالى - لم نقدرْ على عملٍ، ولو قدرنا فلا نعمل لولا أمره ورجاء فضله.

ومعنى (البسملة) على هذا: أنَّ كلَّ ما يُقرَّر في القُرآن الذي بُدِئَ بالفاتحة كله من عند الله، وهو لله ليس لأحدٍ من الخلق فيه شيءٌ لا ابتداءً ولا غايةً.

وقال ابن جرير[3]: إنَّ مَعناه في ذلك عند ابتدائه في فعْل أو قول أبتَدِئ بتسمية الله قبلَ فعلي وقبلَ قولي، وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القُرآن: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، إنما معناه: أقرَأُ مُبتَدِئًا بتسمية الله - تعالى - أو: ابتدئ قِراءتي باسم الله.

﴿ الله ﴾ هو الذي يُؤلِّهه كلُّ شيء، ويَعبُده كلُّ مخلوق، أصله: الإله، أُسقِطت الهمزةُ التي هي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين الاسم فصارت في اللفظ لامًا واحدة مشدَّدة؛ كما في قول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ﴾ [الكهف: 38] أصله: لكن أنا هو الله ربي.

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ اسمان مشتقَّان من الرحمة، وفرْق ما بينهما: أنَّ الرحمن هو المتَّصِف بالرحمة العامَّة الشاملة لأهل الدنيا والآخِرة، لا فرْق في ذلك بين مؤمن وكافر، وطائع وعاصٍ، وإنسان وحيوان، من الإفضال والإحسان إلى جميعهم: في البَسْطِ في الرزق، وتسخير السحاب بالغيث، وإخراج النبات من الأرض، وصحَّة الأجسام والعُقول، وسائر النِّعَمِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى التي يشتَرِك فيها جميعُهم بلا تفضيل واحدٍ عن الآخَر، وفي الآخِرة سوَّى بينهم في عدله وقَضائه، فلا يظلم أحدًا منهم مِثقالَ ذرَّة.

و﴿ الرحيم ﴾ هو المتَّصف بالرحمة الخاصَّة بالمؤمنين في الدُّنيا بهدايتهم وتوفيقهم إلى سبيل مَرضاته، وفي الآخِرة بالإحسان إليهم، وعظيم المثوبة برضاه، وجنات تجري من تحتها الأنهار؛ وقد قال - جلَّ شأنه -: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43].

وقال الشيخ محمد عبده: إنَّ صيغة (فعلان) تدلُّ على وَصْفٍ فعليٍّ فيه معنى المبالغة، كـ(فعَّال) وهو في استعمال اللغة للصفات العارضة؛ كعطشان، وغرثان، وغضبان، وأمَّا صِيغة (فعال) فإنها تدلُّ في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا؛ كعليم، وحليم، وجميل.

فلفظ ﴿ الرحمن ﴾ يدلُّ على مَن تَصدُر عنه آثَار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النِّعَمِ والإحسان.

ولفظ ﴿ الرحيم ﴾ يدلُّ على مَنشَأ هذه الرحمة والإحسان، وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة.

ولا يُستَغنى بأحد الوصفَيْن عن الآخَر، ولا يكون الثاني مُؤكِّدًا للأوَّل، فإذا سمع العربي وصْف الله - تعالى - بالرحمن وفهم منه أنَّه المفيض للنِّعَم فعلاً لا يعتقد أنَّ الرحمة من الصفات الواجبة له دائمًا؛ لأنَّ الفعل قد ينقطع إذا كان لم يكنْ عن صفةٍ لازمةٍ ثابتة وإنْ كان كثيرًا، فعندما يسمع لفظ ﴿ الرحيم ﴾ يكمل اعتقاده على الوجه الذي يَلِيقُ بالله - تعالى - ويرضيه - سبحانه - ويعلم أنَّ لله صفةً ثابتة هي صفةُ الرحمة التي عنها يكونُ أثرها وإنْ كانت تلك الصفة على غيرِ مثال صِفات المخلوقين، ويكونُ ذِكرُها بعد ﴿ الرحمن ﴾ كذكر الدليل بعد المدلول؛ ليقوم برهانًا عليه، ا.هـ.

(سورة الفاتحة)

السورة: طائفة من القُرآن لها أوَّل وآخِر، وترجمةٌ باسمٍ خاصٍّ بها.

وأسماء السور توقيفيَّة، وكذا ترتيبُ آيات السور؛ أي: يتوقَّف على النقل عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وأمَّا ترتيب السور ففيه خلاف، والراجح أنَّه من الصحابة بالاجتهاد لا التوقيف.

وأسماء السور لم يُثبِتْها الصحابة في المصاحف، وإنما أثبَتَها الحجَّاج بن يوسف، كما أثبتَ الأعشار والأسباع، والنَّقط والشَّكل وغيرها؛ خوفًا على القُرآن من التحريف لَمَّا شاعَتْ العُجمَةُ في زمنه بكثْرة اختلاط العرب بغيرهم من أهل اللُّغات الأخرى.

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 1 - 7].

تُسمَّى (فاتحة الكتاب) لأنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - افتتحوا بها كتابَةَ المصحف، ولأنَّها تُفتَتح بها القراءة في الصلاة، وتُسمَّى (أم الكتاب) لأنها جمعت ما تضمَّن القُرآن الكريم من مقاصد توحيد الربوبيَّة والإلهيَّة والعبادة بأنواعها، والاعتبار بِمَن مضى من السابقين على الهدى المستقيم، فنالوا سعادة الأولى والآخِرة، فيُقتَدى بهم، أو على الصراط المعوجِّ فنالوا من عُقوبة الله وسخطه في الدُّنيا والآخِرة ما به العِبرة، وفيه العظة الكافية، فيُتنكَّب عن سبيلهم، ويُبتَعد عن خبيث أعمالهم، وهذا إجمالُ ما في القُرآن من أغراضٍ جاءت بعدُ في السُّوَرِ الأخرى مُفصَّلة مُبيَّنة على أحسن وَجْهٍ وأكمله، ليس المقصود من أنها أمُّ القُرآن كما يَذكُره جماعة من غُلاة المتصوِّفة ممَّا يسمونه بالإشارة ودلالة الحروف، فيقولون: أسرارُ القُرآن جُمِعتْ في الفاتحة، وأسرار الفاتحة جُمِعتْ في البسملة، وأسرارُ البسملة جُمِعتْ في الباء، وأسرار الباء جُمِعتْ في النُّقطة؛ فإنَّ هذا القول لا يقومُ عليه برهانٌ من صحيحِ منقول ولا صريحِ معقول، وما هو إلا اختراعٌ صدَر عن عُقول شُغِفَتْ بالغَرائب والتَّمويهات لِمَآرب وأغراض لا تتَّفِق مع ما جاء به الإسلام وكِتابه المبين، ولقد أدَّى نُشُوء ذلك عند بعض الناس إلى ذَهاب ما أُنزِل القُرآن من أجله من هداية الناس إلى الطريق الأقوم في كلِّ ما هم بحاجةٍ إليه من مَعاشِهم ومَعادِهم، وعادَ القُرآن بعد ذلك آلةً للدجَّالين والمخرِّفين الذين يُسَمُّون ذلك - كذبًا وباطلاً - بركة القُرآن، وما بركة القُرآن إلا لطائفة المؤمنين المهتَدِين بهدي القُرآن قولاً وعملاً وحكمًا، الذين جدُّوا في الحياة بما هَداهم إليه القُرآن من الأخْذ بأسبابها المشروعة، وطرقها الممهَّدة، من صِناعات واختِراعات اكتسَبُوا بها من مادَّة الحياة ما نالوا به عزَّ الدنيا وسعادةَ الآخِرة؛ ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 5].

وتُسمَّى أيضًا بالسبع المثاني؛ و(المثاني) جمع مثناة، وإنما توصف بذلك لأنَّ بعضها يثني بعضًا بفُصولٍ تفصل بينها؛ فيعرف انقضاء الآية وابتداء التي تَلِيها، كما وصَفَها به - تعالى ذِكرُه - فقال: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ [الزمر: 23]، وقد يَجُوز أنْ يكون معنى (المثاني): المتكرِّرة مرَّة بعد مرَّة، أو معناها: التي استثناها الله - تعالى - لمحمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - دُون غيره من الأنبياء، وادَّخَرها له، وقيل: سُمِّيتْ بذلك لأنها يُثنَّى بها في كلِّ ركعةٍ من ركعات الصلاة، وتُعاد في كلِّ ركعة.

قال أبو الهيثم: سُمِّيتْ آيات الحمد مثاني، واحدتها مثناة، وهي سبع آيات، ويجوز أنْ يكون - والله أعلم - معنى المثاني: ما أُثنِي به على الله - تبارك وتقدَّس - لأنَّ فيها حمدَ الله وتوحيدَه، وذكرَ ملكه يوم الدِّين.

وقال الفراء[4] في قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ﴾ [الزمر: 23]: أي: مُكرَّرا؛ كرَّر فيه الثواب والعقاب.

وقد نزلت الفاتحة بمكة، وقيل: بالمدينة، وقال كثيرون: إنها أوَّل سورةٍ أُنزِلتْ بتَمامها، وقد رجَّح الشيخ محمد عبده أنها أوَّل ما نزَل على الإطلاق، ولم يستثنِ قوله - تعالى -: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ [العلق: 1]، ونزع في ذلك منزعًا غريبًا في حِكمة القُرآن وفقه الدِّين، وتكلَّم بكلام حسنٍ في ذلك، لولا ما يُعكِّر عليه من الأحاديث الصحيحة التي صرَّحت تصريحًا لا مجالَ للشكِّ فيه بأنَّ أوَّل ما نزَل على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في غار حراء: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ [العلق: 1]، ولا يعدل عمَّا أفادَتْه هذه الأحاديث الصحيحة.

وهي سبع آيات على أصحِّ الأقوال، ليس منها البسملة، وهي - على ما يترجَّح من مجموع ما ورَد - آيةٌ من القُرآن قائمة بنفسها جُعِلَتْ للفصْل بين السُّوَرِ، وللفقهاء في ذلك خلافٌ طويل ليس هذا موضع تنقيحه.



[1] "مجلة الإصلاح"، العدد الثاني - 15/3/1347هـ.

[2] أخرجه أحمد 3/50، وأبو داود (775)، والترمذي (242)، وقال الترمذي: وحديث أبي سعيدٍ أشهر حديثٍ في هذا الباب، وصحَّحه الألباني.

[3] "تفسير ابن جرير الطبري" 1/51.

[4] "معاني القرآن"؛ للفراء 4/116.

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 18 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ