الولاء والبراء

تفسير القرآن الحكيم (3) - سورة الفاتحة الجزء الثاني

 
عرض المقال
 
 
تفسير القرآن الحكيم (3) - سورة الفاتحة الجزء الثاني
760 زائر
07-07-2012
محمد حامد الفقي

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير القُرآن الحكيم[1]


﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 2 - 7].

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ الحمدُ - على المشهور - هو: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، والفرق بينه وبين المدح: أنَّ الحمد لا يكون إلا على الاختياري، أمَّا المدح فيكون على الاختياري وغيره، ويكون للحيِّ والميت والجماد، والحمد فيه من التعظيم والتفخيم ما ليس في المدح، والحمد لا يكون إلا مع المحبَّة والإجلال بخلاف المدح؛ ولذلك فإنَّ المدح إخبارٌ محض، أمَّا الحمد ففيه معنى الإنشاء.

أمَّا الشُّكر فهو الثَّناء على المحسن بما أولاه من المعروف، وهو لذلك خاصٌّ بالأعمال، وذلك أنْ تحمَدَ باللسان، وتعمَلَ بالجوارح والأركان، وتعتَقِد بالقلب والجنان، وظاهِرُ الكتاب والسُّنَّة يدلُّ على ذلك؛ فمنه قوله - تعالى -: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13]، على كلِّ حالٍ، فمَن حمد الله - تعالى - فقد شكَرَه باستعمال نعمة اللسان بالثناء على الله وذِكرِه بما يليقُ به من صِفات المحبَّة والكمال، ومَن شكَر الله - تعالى - باستعمالِه نِعَمَه فيما يحبُّ الله ويَرضَى فقد أثنَى على ربِّه؛ إذ أظهَرَ هذه النِّعمة باستعمالها، وذلك تحدُّثٌ بنعمة الله الكريم، فإذا قال العبد: "إنَّ الله على كلِّ شيء قدير" فقد حمدَه بالثناء عليه بوَصْفِه بالقُدرة على كلِّ شيء، وكذلك إذا قال: "الله عزيز حكيم" أثنى عليه، وهكذا.

ولكن قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ معناه: الثناء التامُّ على الله بكلِّ أسمائه الحسنى وصِفاته العُلى، وإنما جِيءَ بالحمد مُعرَّفًا بالألف واللام ليَدُلَّ على العُموم والشُّمول لكلِّ المحامد، بخِلاف ما لو جاء بغير ذلك.

ولقد حمد الله - جلَّ ذكرُه - نفسَه وأثنى عليها بما هو له أَهْلٌ، ثم علَّم عبادة ذلك وفرَض عليهم تلاوته اختِبارًا منه - جلَّ شأنُه - وابتلاءً فقال لهم: قولوا: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، وقولوا: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، ممَّا علمهم - جلَّ ذكرُه - أنْ يقولوه وأنْ يدينوا الله بمعناه.

﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الربُّ في الأصل مصدرٌ بمعنى التربية، وهي إبلاغ الشيء إلى كماله حسب استعداده، وهو في كلام العرب بمعنى: السيِّد المُطاع، وبمعنى: المصلح للشيء، وبمعنى: المالك للشيء، فربُّنا - جلَّ ثناؤه - السيد الذي لا شِبهَ له ولا مِثلَ له في سُؤدُدِه، والمصلح أمرَ خلقه بما أسبَغَ عليهم من نِعَمِه الظاهرة والباطنة، والمالك الذي له الخلق والأمر، سبحانه وتعالى عمَّا يقولُ الظالمون عُلُوًّا كبيرًا.

والعالمون: جمع (عالَم) لا واحدَ له من لفظه، و(العالم) اسمٌ لكلِّ صِنْفٍ من أصْناف المخلوقات، فالإنسان عالَم، والجن عالَم، والشجر عالَم، والهواء عالَم، وعالَم الكواكب، وعالَم الملائكة، وغير ذلك كثيرٌ لا يُحصِيه إلا الله الذي هو ربُّه وسيِّده ومَلِيكه.

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 1] تقدَّم الكلام عليهما.

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4] قُرِئَ برِواياتٍ عدَّة وأشهرها ﴿ مالِك ﴾ و﴿ مَلِك ﴾، ورجَّح ابن جرير الطبري الثانية؛ لأنَّ في الإقرار له بالانفِراد بالملك إيجابًا لانفِراده بالملك وفضيلة زيادة الملك على المالك؛ إذ كان معلومًا أن لا مَلِكَ إلا وهو مالك.

﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، الدِّين في هذا الموضع الحساب والمجازاة بالأعمال، ومن ذلك قوله: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ [الانفطار: 9]، وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ [الواقعة: 86]؛ أي: مجزيِّين، هو يوم القيامة، ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾ [غافر: 17]؛ والمعنى: أنَّ لله - تعالى - ملكًا خالصًا دُون جميع خلقه الذين كانوا في الدنيا مُلوكًا جَبابرة، يُنازِعونه الملك ويُدافِعونه الانفِراد بالكِبرياء والعظَمة؛ كما قال - جلَّ ذكرُه -: ﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16]، فأخبر أنَّه - عزَّ شأنه - المنفرِد يومئذٍ بالملك دون مُلوك الدنيا الذين صاروا يومَ الدِّين من ملكهم إلى صَغار، ومن دُنياهم إلى خَسار.

وأمَّا على قراءة (مالك) فمعناه كما قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: لا يملك أحدٌ في ذلك اليوم معه حكمًا كملكهم في الدنيا، ثم قال: ﴿ لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [النبأ: 38] [2].

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، العبادة في اللغة: من الذلَّة، يُقال: طريق مُعبَّد؛ أي: مُذلَّل.

وفي الشرع: حقيقةٌ مُتكوِّنة من كَمال المحبَّة مع كَمال الخضوع والتذلُّل، فمَن أحبَّ ولدَه فليس بعابِدٍ له؛ لأنَّه لم يخضَعْ له، ومَن خضَع لملكٍ أو أميرٍ فليس بعابدٍ له لأنَّه لم يحبَّه مع هذا الخضوع، فكلُّ ما تحقَّق فيه كمالُ الحب مع كمال الخضوع فهو عبادةٌ، سواء كان قولاً أو عملاً، فالدعوى في الشدائد ولطلب الحاجات والتوكُّل والاستغاثة والنذر والحَلِف والخوف والرجاء، كلُّ هذا عبادةٌ، فمعنى ﴿ إياك نعبد ﴾: أي: نخصُّك يا ربَّ العالمين ويا مالكَ يوم الدين بكلِّ أنواع خُضوعنا القلبي وذلِّنا ومحبتنا؛ لأنَّك بصفة ربوبيَّتك للعالمين استحققت نهايةَ الخضوع والخشوع والخوف والذل، وبصفة أنَّك الرحمن الرحيم استحققت نهاية المحبَّة؛ لما نرى وتفيضُ علينا من آثار رحمتك من النِّعَمِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، وبصفة ملكك ليوم الدِّين نخافُ عُقوبتَك ولا نعصيك ونرجو رضاك فنسارع إلى طاعتك.

﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ الإعانة قسمان: ظاهريَّة ومعنويَّة، فالحسيَّة ما تكون بما يُدرَك ويُشاهَد بإحدى الحواس؛ كإعانة الناس بعضهم بعضًا، وفيما يثقل حمله ويعييهم أمره، فيشهَدُون من بعضهم هذه المعونة، أو بجاهِهِم، وكل أمرٍ محسوس، فهذه الاستعانةُ الظاهريَّة، وهي أمر لا بُدَّ من تبادُلِه بين الناس فيما ليس فيه معصية لله تعالى؛ قال - تعالى -: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2].

أمَّا الإعانة المعنويَّة فهي: ما تكون بأسبابٍ غير مُشاهَدٍ مصدرُها، وهذه لا تكون إلا ممَّن يكون عنده من القُدرة العظيمة والرَّحمة الواسعة ما يُؤهِّله لها؛ ولذلك فلا تُطلَب إلا من الله - جلَّ شأنُه - لأنَّه هو الذي له القُدرة ما به يُعطِي العبد من القوَّة التي تُعِينُه على عمله، وله الرحمة الواسعة التي بها يتفضَّل على عبده بهذه المعونة، فالمعونة على شِفاء الأمراض تكونُ بالطبيب بتشخيص المرض ووَصْفِ العلاج ظاهريَّةً، وعلى تحقيق الشفاء ورفع الداء بذلك الدواء أو بغيره، وهذه معنويَّة حقيقيَّة.

فالأولى جاء الشرع بطلبها ممَّن يقدر عليها.

والثانية جاء الشرع ببيان أنَّ طلبها من غير الله - تعالى - شرك؛ لأنَّ ذلك اعتقادٌ بأنَّ غير الله - تعالى - له من القُدرة والرحمة ما لا يصحُّ أنْ يكون إلاَّ لربِّ العالمين الرحمن الرحيم.

وبهذا يتبيَّن الفَرْقُ بين الاستعانة الجائزة الشرعيَّة والاستعانة المحرَّمة الشركيَّة؛ فما يَطلُبه كثيرٌ من الناس من الموتى من حاجات، هذا من الشركيَّة لأنها من قسم المعنويَّة؛ لأنَّ الميت ليس عنده من الأسباب ما يمكنه أنْ يوصل هذه الإعانة إلى السائل الداعي من طريق محسوس؛ لأنه قد زالت كلُّ علاقةٍ بالأحياء من أهل الدنيا من هذا القَبِيل، وإنْ كان كثيرٌ من الناس يدَّعي أنَّه لم يعتقدْ في هذا الميت هذه القُدرة ولا الرحمة، فهو كاذب في دعواه، يخدعه الشيطان فيُلبِّس عليه الأمرَ حتى يُورِده بذلك مَوارِدَ الشِّرك والهلاك، يتبيَّن ذلك عندما ينذر أحدهم نذرًا لأحد أولئك الموتى ويَنهاه أحدٌ عن الوفاء بذلك النَّذر الذي هو في محاربة الله - تعالى - فإنَّك تراه يصفر صفرة الوجل ويضطرُّ ويقول: "كيف أصنع مع سيِّدي فلان وهو غيور؟".

فهذا إنْ كان لا يُسمَّى شركًا فليس في الدنيا شرك، وإنْ جعلت هذه من الاستعانة الجائزة الشرعيَّة، فهذا من الخلط المفسِد، بل هو تحريفٌ للكلم عن مواضعه.

قال ابن كثيرٍ[3]: وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبةٌ؛ لأنه لما أثنى على الله - تعالى - فكأنَّه تقرَّب وحضر بين يدي ربِّه - تعالى - فلذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وفي هذا دليلٌ على أنَّ أوَّل السورة خبرٌ من الله - تعالى - بالثَّناء على نفسه الكريمة بجميل صِفاته الحسنى، وإرشاده لعباده أنْ يُثنُوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصحُّ صلاةُ مَن لم يقلْ ذلك وهو قادرٌ عليه؛ كما جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأْ بفاتحة الكتاب))[4]، وفي "صحيح مسلم"[5] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يقول الله - تعالى -: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدِي نصفَيْن: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبدُ: الحمد لله ربِّ العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال العبد: مالك يوم الدين، قال الله: مَجَّدني عبدي، وإذا قال العبد: إيَّاك نعبد وإياك نستعين، قال الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: اهدِنا الصراط المستقيم، قال الله: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل)).

وقال ابن جريرٍ الطبري[6]: وفي أمر الله - جلَّ شأنه - عباده أنْ يقولوا: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بمعنى: مسألتهم إياه المعونة على العبادة أدل الدليل على فَساد قول القائلين بالتفويض من أهل القدَر الذين أحالوا أنْ يأمُر الله أحدًا من عبيده بأمره، أو يُكلِّفهم بعملٍ إلا بعد إعطائه المعونة على فِعله لا على تركه، ولو كان الذي قالوا من ذلك كما قالوا لبطلت الرغبة إلى الله في المعونة على طاعته؛ إذ كان - على قولهم مع وجود الأمر والنهي والتكليف - حقًّا واجبًا على الله للعبد أو إعطاؤه المعونة عليه، سأله عبده ذلك أو ترك مسألة ذلك، بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه جور، ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا لكان القائل: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إنما يسأل ربه ألاَّ يجور.

وفي إجماع أهل الإسلام جميعًا على تصويب قول القائل: "اللهم إنَّا نستعينك" وتخطئتهم قول القائل: "اللهم لا تجر علينا" دليلٌ واضحٌ على خطأ ما قال الذين وصفتُ قولَهم.


[1] "مجلة الإصلاح"، العدد الثالث - 30/3/1347هـ.

[2] انظر: الطبري في "تفسيره" 1/65، من طريق الضحَّاك عن ابن عباس، ولم يسمَعِ التفسير منه على ما قالَه غيرُ واحدٍ؛ كشعبة وأبي حاتم وأبي زرعة وابن أبي حاتم... وغيرهم.

[3] "تفسير ابن كثير" 1/26.

[4] أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394).

[5] أخرجه مسلم (395).

[6] "تفسير الطبري" 1/70.

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 17 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ