أين المفر
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

الفاتح العربي

 
عرض المقال
 
 
الفاتح العربي
822 زائر
07-07-2012
د. محمد جميل غازي
من أجل الحقِّ والخير والهداية، ومن أجل حقوق الإنسان وكرامته وعزَّته - ركبَ العربيُّ فرسَه، وانساب في شِعاب الأرض، غازيًا مجاهدًا؛ ليبدِّدَ الظلمات التي كانت تحتوي البشرية، وليمحوَ من طريق الإنسان الأشواك والعقاب.

وكان أوَّلُ سيفٍ ضربه العربي باسم الله في بدر، ثم استمر في ضرباته الحاسمة المنتصرة، وفتح "العربيُّ" الدنيا، أو هكذا خيِّل إليه، ووقف بفرسه على شاطئ البحر الأبيض، وقال له: "يا بحرُ، والله، لو أعلم أن وراءك أرضًا لخضتك مجاهدًا في سبيل الله!"[1].

ومرَّت الأيام والأعوام، وعَلِم العربي أن وراء شمال إفريقيا أرضًا أخرى اسمُها "الأندلس"، فقرَّر أن يخوضَها مجاهدًا في سبيل الله، ونجح العربي واستطاع أن يملأ هذا الأفقَ الجديد نورًا وهداية ورَشادًا، كان ذلك في عام 92هـ - 711م.

ومرت أيام وأعوام أخرى، وسمع العربي أن وارء "جبال البرنات" أرضًا أخرى، ينبغي ألاَّ يبخل عليها بما أفاء الله عليه من نور، كانت هذه الأرض هي (الأرض الكبيرة)، هي: (فرنسا)[2].

وارتجَّ العالم الأوروبي كله لهذه الرغبة الجديدة! ماذا يريد هذا العربي الطموح؟ أيريد أن يخضع الدنيا كلها لسلطانه؟! لا، لن يكون ذلك، لن تتحقق أطماع "الفاتح العربي"، ولن يكون ما يريد، وفعلاً تراجع "الفاتح العربي"، لا لأن العالم الأوروبيَّ أراد ذلك؛ فلم تكن للعالم الأوروبي في ذلك الإبان إرادةٌ، ولكن لأن خَلَلاً وقع في صفوف الجيش العربي الوثاب.

لقد كانت فكرة رائعة للغاية، تلك التي كانت تسيطر على عقلِ ذلك "الفتى الجريء"، إنه يريد أن يصل إلى "آسيا" عن طريق "أوروبا"! ومعنى هذا إخضاع العالم القديم كله للراية المسلمة.

وفي هذا يقول الشاعر الإنجليزي "سوزي"[3]:
"جمع لا يحصى من شام وبربر وعرب وروم وخوارج، وفرس وقبط وتتر.
عصبة واحدة، يجمعها إيمان هائم راسخ الفتوة، وحمية مضطرمة، وأخوة رائعة.

ولم يكن الزعماء أقلَّ ثقةً بالنصر، وقد شمخوا بطول ظفر، يتيهون بتلك القوةِ الجارفة، التي أيقنوا أنها كما اندفعتْ حيثما كانوا بلا منازع، ستندفع ظافرة إلى الأمام.
حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق يطأطئ الرأس؛ إجلالاً لاسم محمد، وينهض الحاج من أقصى المنجمد؛ ليطأ بأقدام الإيمان الرمالَ المحرقة المنتشرة فوق صحراء العرب، وأراضي مكة الصلدة".

اكتفى العربي بالأندلس: جنة الله في الأرض، ولم يطق لها براحًا: "كيف أفارق الأندلس، وقد علم سيدي أنها جنة الدنيا، بما حباها الله من اعتدال الهواء، وعذوبة الماء، وكثافة الأفياء، وأن الإنسان لا يبرح فيها بين قرة عين، وقرار نفس، وأفق صقيل، وبساط مُدبَّج، وماء سائح، وطائر مترنم؟!"[4].

وراح العربي يشيد في هذا الجو الفروسي الحالمِ حضارةً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، ومدنيَّة ظلَّت الدنيا تنعم بخيراتها حتى اليوم.
يقول الاستاذ "لابن بول": "أنشأ العرب حكومة قرطبة التي كانت أعجوبة القرون الوسطى، بينما كانت أوروبا تتخبَّط في ظلمات الجهل، فلم يكن سوى المسلمين مَن أقام بها منائرَ العلم والمدنية".

ويقول المستشرق الإسباني "جاينجوس": "لقد سطعتْ في إسبانيا "الأندلس" أولُ أشعة لهذه المدنية التي نثرت ضوءها فيما بعدُ على جميع الأمم النصرانية، وفي مدارس قرطبة وطليطلة العربية جُمعت الجذوات الأخيرة للعلوم اليونانية، بعد أن أشرفت على الانطفاء، وحُفظت بعناية، وإلى حكمة العرب وذكائهم ونشاطهم يرجع الفضل في كثير من أهم المخترعات الحديثة وأنفعها"[5].

ولقد كان الفاتح العربيُّ متسامحًا للغاية مع الذين يخالفونه في الدين والاعتقاد، لم يكن يعاملهم بتعصب أو عنف، يقول المؤرخ الأمريكي "سكوت": "وكان يُسمحُ للورِع المتعصب أن يزاول شعائره دون تدخل، كما يسمح للملحدِ أن يجاهر بآرائه دون خشية المطاردة، والأحبار يزاولون شؤونهم في سلام، أمَّا أقوال الكتَّاب النصارى التي ينسبون فيها للعرب أفظعَ المثالب، فهي محض مبالغة وافتراء"[6].

من أجل هذا، ومن أجل سماحة العربي ونبله، وأخلاقه وعدله، كنا نرى أن أصحاب البلاد المفتوحة يقابلونه بكل ترحيب وإجلال.
أَوَلَيْسَ مع هذا العربي الدواء الشافي، والطب الناجع؟ أوليس هو المنقذ الرحيم الذي سيرفع عنهم إصرَهم والأغلال التي كانت عليهم؟
لهذا لا نعجب، إذا ما رأينا أهل الأندلس يلاقونه بكل حبٍّ وإخلاص، ويفتحون له أبوابهم الموصدة، ويمهدون له الطرق الملتوية؛ بل ويتمادون في تكريمه، فيرسلون له السفن التي تُقِلُّه وتحمله إلى ديارهم[7].

ويقول "جوستاف لوبون" في كتابه" البعث": "لقد بلغ مِن نُبل الدعوة التي حملها أبناء الجزيرة العربية إلى العالم في كل مكان توجهوا إليه، أن أصبح قادةُ هؤلاء الأقوام الذين تبيَّنوا أن بلادهم ستكون ممرًّا لجحافل العرب، يترقبون في لجح وشوق اقتراب ساعة ظهور تلك الطلائع المتهلِّلة نصرًا، والحاملة لشعلة العدل والرحمة والحضارة؛ حتى يقدِّموا القرابين، ويذبحوا الذبائح لأبطالها؛ ذلك لأن السمعة الطيبة، وسموَّ الأهداف، كانا يسبقان خيولَ أبناء يَعْرُب المجلبة في فيافي آسيا وإفريقيا، وكانت تلك الخلالُ المحببة ينتشر عبيرُها المعطر على الناس في الشرق والغرب قبل وصول العرب إلى مقاطعاتها المديدة الكثيرة بألوف الفراسخ"[8].

إن العربي يوم أن دخل الأندلس مجاهدًا فاتحًا، كان يريد أن ينتقل بالدنيا الأوروبية عن غفوتها العميقة، ونومتها المستغرقة، إلى يقظة بنَّاءة؛ ومن أجل هذا جشم نفسه المتاعب والمصاعب؛ ليوقظ النيام، وليحيي الموتى.
أَوَلَيْسَتْ هذه رسالتَه؟ أوليست هذه مهمتَه في الحياة؟
"لو لم تُقِم جنوبَ أوروبا الحضارةُ الأندلسية العربيةُ، لظلَّت هذه القارة - أي: أوروبا - تسبح إلى اليوم مع شعوبها المختلفي النِّحَلِ والنزعات في حَلَكٍ من ظلمة الجهل والبداوة، ولَمَا ظهر للمدنية الأوروبية الحالية من أثر في الوجود"، هكذا تكلم "جون دوانيورت" المؤرخ الإنجليزي.

ولكن: هل كان يعلم العربي أنه يوقظ الماردَ الذي سيستذلُّه ويستعبده؟ هل كان يعلم أن "أوروبا" ستجزيه جزاءَ سِنِمَّار؟ هل كان يعلم أنه سيذوق أفانينَ من التعذيب والذبح والإرهاب، على تلك الأرض التي وهبها الحياة والمدنية والنور؟!
لا؛ فإن السماء كانت صافية، والريح كانت رُخاء، والزورقُ المجنح كان يتهادى في أمن وطمأنينة وسلام، والربان كان ينبعث بزورقه وراء أحلام ورديَّة، وأمانٍ خضراءَ كانت تتراءى له من بعيد.
ــــــــــــــــــــ
[1] قال هذه الكلمةَ الفاتحُ العربي "عقبة بن نافع" بعد أن فتح شمال إفريقيا.
[2] دخل العرب أرض "فرنسا"، ووصلوا إلى "بواتييه"، وهي على بُعد 330 كيلو متر من الجنوب الغربي "لباريس".
[3] ص94 "دولة الإسلام والأندلس" الجزء الأول، محمد عبدالله عنان.
[4] من خطابٍ كتبه "موسى بن سعيد" إلى مَن رغَّبه في الانتقال إلى "مراكش".
[5] "دولة الإسلام في الأندلس" ج1، ص 62، محمد عبدالله عنان.
[6] "دولة الإسلام في الأندلس" ج1، ص 62، محمد عبدالله عنان.
[7] كان ذلك حينما أرسل "يوليان" سفنه لنقلِ جيوشِ المسلمين الفاتحة.
[8] ص67 "بين الديانات والحضارات" تأليف: طه المدور.
   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 11 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ