« أسباب البدع ومضارها ( 2 ) »






أسباب البدع ومضارها ( 2 )
لفضيلة الشيخ محمود شلتوت - شيخ الأزهر الأسبق
-----------------------------------

متابعة الهوى فى الأحكام : قد يكون الناظر فى الأدلة ممن تملكهم الأهواء ، فتدفعه إلى تقرير الحكم الذى يحقق غرضه ثم يأخذ فى تلمس الدليل الذى يعتمد عليه ويجادل به ، وهذا فى الواقع يجعل الهوى أصلا تحمل الأدلة عليه ويحكم به على الأدلة وهو قلب لقضية التشريع ، وإفساد لغرض الشارع من نصب الأدلة . ومتابعة الهوى أصل الزيغ عن صراط الله المستقيم ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ) وقد جاء فى الصحيح (1) ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) والابتداع به يكثر عند أرباب المطامع فى خدمة الملوك والحصول على غرض الدنيا وحطامها ، ولعل أكثر الحيل التى نراها منسوبة إلى الدين - والدين منها برىء - يرجع إلى هذا . ولا يبعد أن يكون منه الأذان السلطانى ونحوه من البدع التى لم نرها إلا فى صلاة الملوك والسلاطين ،وكذلك بدعة المحمل ، وبدعة الاجتماع لإحياء بعض الليالى وغير ذلك مما يغلب أن يكون رغبة لملك أو مشورة لمقرب إليه ، ثم توارثتها الأجيال ، وعمت الجماهير وصارت عندهم ديناً ينكرون على من أنكره.
والمبتدعون بمتابعة الهوى ينتسبون بهذه الخطة السيئة إلى أولئك الذين قال الله فيهم : ( وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) ، ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) .
والواقع أنه بمتابعة الهوى تكتسح الأديان ويقتل كل خير ، والابتداع به أشد أنواع الابتداع إثما عند الله ، وأعظم جرما على الحق . فكم حرف الهوى من شرائع وبدل من ديانات ، وأوقع الإنسان فى ضلال مبين .
تحسين الظن بالفعل فى الشرعيات : إن الله جعل للعقول حداً تنتهي فى الإدراك إليه ، ولم يجعل لها سبيلا إلى إدراك كل شئ فمن الأشياء مالا يصل العقل إليه بحال . ومنها ما يصل إلى ظاهر منه دون اكتناه . وهى مع هذا القصور الذاتي لا تكاد تتفق فى فهم الحقائق التى أمكن لها إدراكها ، فإن قوى الإدراك ووسائله تختلف عند النظار اختلافا كثيراً ، ولهذا كان لابد فيما لا سبيل للعقول إلى إدراكه ، وفيما تختلف فيه الأنظار ، من الرجوع إلى مخبر صادق يضطر العقل أمام معجزته إلى تصديقه ، وليس ذلك سوى الرسول المؤيد من عند الله العليم بكل شئ ، الخبير بما خلق ، وعلى هذا الأصل بعث الله رسله يبينون للناس ما يرضى خالقهم ، ويضمن سعادتهم ويجعل لهم حظاً وافراً فى خيري الدنيا والآخرة .
وقد شذ عن هذا الأصل قوم رفعوا العقل عن مستواه الذى حدده الله ، وجعلوه حجة الله على عباده ، وحكموه فيما لا يدركه مما أنزل الله ، فرجعوا فى التشريع إليه وأنكروا فى النقل كل ما لم يعهد فى إدراكه ، ثم توسعوا فى ذلك وجعلوه أصلا فى التشريع الإلهى ، واستباحوا بعقولهم فيه ما لم يأذن به الله ، وما لا نعلم أنه يرضى الله أو يغضبه ، ولقد أعانهم على الابتداع فى العبادات أنهم نظروا فيما أدركه العلماء من أسرار التشريع وحكمه ، وزعموا أن هذه الأسرار هي المقصودة لله فى تشريع الحكم ، وأنها داعية إليه ، فشرعوا عبادات على مقتضى هذه الأسرار فى بعض تشريع الله .
وهذا هو الاستحسان الذى ذمه أصحاب الرسول وأئمة الهدى والدين وأنكروا على الآخذين به . ومن قول الشافعى : " الاستحسان تلذذ ، ولو جاز الاستحسان فى الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم ، ولجاز أن يشرع فى الدين فى كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعاً " وقوله " ومن استحسن فقد شرع " ومعناه كما قال الريانى " إنه نصب من جهة نفسه شرعاً غير الشرع " وقد وقع كثير من الابتداع بهذا الطريق ، فبحكم العقل القاصر رد كثير من الأمور الغيبية التى صحت بها الأحاديث كالصراط والميزان وحشر الأجساد والنعيم والعذاب الجسمى ورؤية البارى وما إلى ذلك مما لم يدركه العقل ولا ينهض على إدراكه .
وباستحسان العقل القاصر ترك العمل بكثير من الأحكام الشرعية جرياً وراء أن غيرها أقوى منها فى تحصيل الغرض المقصود من التكليف ، وباستحسان العقل القاصر زيدت عبادات وكيفيات ما كان يعرفها أشد الناس حرصا على التقرب من الله .
هذا وكما يترتب الابتداع بتحسين الظن على عدم إدراك العقل أو على ظن أن الأسرار مسوغات للتشريع وداعية إليه ، يترتب أيضا على إرادة دفع منكر أو مخالفة لشرع ثابت فتستحسن بدعة يشتغل الناس بها عن مقارفة المنكر بزعم أن البدعة بمشروعية أصلها أولى من ارتكاب المنكر الصريح ، ومن ذلك قراءة القرآن بصوت مرتفع فى المسجد ، وقراءة الأدعية كذلك أمام الجنائز دفعاً كما يقولون لتحدث الناس بكلام الدنيا فى المسجد والجنائز .
ومنه الابتداع بقصد الحصول على زيادة المثوبة عند الله ؛ ويظن أن طريق هذا تحميل النفس مشقة فى جنس ما يتعبد به الله . وهذا تارة يكون بإلحاق غير المشروع بالمشروع ؛ لأنه يزيد فى المقصود من التشريع ، ومن أمثلة ذلك التعبد بترك السحور لأنه يضاعف قهر النفس المقصود من مشروعية الصوم ، والتعبد بتحريم الزينة المباحة التى لم يحرمها الله لأنه يزيد فى الحكمة المقصودة من تحريم الذهب والحرير . ومن هذا النوع اختيار أشد الأمرين على النفس عند تعارض الروايات ، مع أن المأثور عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما . وحمل جميع أفعال النبى صلى الله عليه وسلم على التعبد الذى يجب فيه التأسى مع أن كثيراً منها عادى لا تعبد فيه ولا يطلب فيه التأسى . وتارة تكون باختيار عبادات شاقة لم يأمر بها الشارع كدوام الصيام والقيام والتبتل وترك التزوج ، والتزام السنن والآداب كالتزام الواجبات ، وقد جاء تحذير عن ذلك كله كما فى قوله عليه السلام : " ما بال قوم يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إنى لأعلمهم بالله وأشدهم خشية له " وقوله عليه السلام " لن يشاد الدين أحد إلا غلبه " وقوله " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم " وقد رد النبى صلى الله عليه وسلم على ابن عمر والرهط الذين تقللوا عبادته صلى الله عليه وسلم وأرادوا مشاق الطاعات .
وقد غفل قوم عن هذه التحذيرات واخترعوا لأنفسهم عبادات أو كيفيات فى العبادات أو التزامات خاصة ، وعبدوا بها وعلموها لأتباعهم على أنها دين ، ودين قوى ، وجهلوا أن القرب من الله إنما يكون بالتزام تشريع الله وأحكامه ، وأن وسائل التقرب إليه محصورة فيما شرعة وبلغه عنه رسوله الأمين ، فوقعوا بذلك فى البدعة والمخالفة وحرموا ثواب العمل وكانوا من الآثمين .
هذه الأسباب التى أوردناها هنا للابتداع ، قد أحاط بأطرافها وجمع أصولها حديث : " يحمل هذا العلم فى كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " فتحريف الغالين يشير إلى التعصب والتشدد ، وانتحال المبطلين يشير إلى تحسين الظن بالعقل فى الشرعيات ومتابعة الهوى ، وتأويل الجاهلين يشير إلى الجهل بمصادر الأحكام وبأساليب فهمها من مصادرها .
يتبع إن شاء الله .
(1) كذا قال الشيخ 0 رحمه الله ) وهو وهم والحديث خارج الصحيحين.

محمود شلتوت



» تاريخ النشر: 17-09-2010
» تاريخ الحفظ: 30-09-2020
» الموقع الرسمي لجماعة أنصار السنة المحمدية - المركز العام
.:: http://www.ansaralsonna.com/web ::.