الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته -1-

الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته (1)
بقلم سماحة الشيخ عبد اللَّه بن محمد بن حميد
رئيس مجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية
والرئيس العام للإشراف الديني على المسجد الحرام
-------------------------------------

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:
فقد طلب مني الأخ الفاضل أحمد فهمى أحمد وكيل عام جماعة أنصار السنة المحمدية الكتابة عن حقيقة دعوة الشيخ / محمد بن عبد الوهاب ولا يسعنى إلا إجابة طلبه على الرغم من كثرة المشاغل: والواقع أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه اللَّه) تناوله كثيرون من الكتاب ما بين مؤيد ومفند، وإن كنت على يقين أن الدعاية السيئة قد خفت في هذا العصر وعرف كثير من العقلاء في سائر الأقطار حقيقة دعوة الشيخ وصحتها، بل لقد أخذ بها كثير من دعاة الإسلام في العصر الحاضر كما سنشير إليه إن شاء اللَّه فيما بعد، وغنى عن التعريف أن الشيخ (رحمه اللَّه) قد عاش في الفترة ما بين (1115هـ- 1206هـ) وقد طلب العلم أول ما طلبه على والده في بلده العيينة شمال مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية حاليًا في قلب نجد، حيث درس الحديث والتفسير والفقه الحنبلى على والده، كما كانت له عناية خاصة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (رحمهما اللَّه) ولم يقصر على طلب العلم في بلده ولكنه رحل إلى كثير من البلدان المجاورة، فرحل إلى مكة المكرمة حاجًا وطالبًا، وإلى المدينة المنورة، ثم عاد منها إلى نجد ومنها إلى البصرة قاصدًا الشام للاستزادة من العلوم النافعة. وممن أخذ منهم العلم أثناء ترحاله الشيخ عبد اللَّه بن إبراهيم بن سيف النجدى، وقد استفاد منه كثيرا، وعن طريقه اتصل بالمحدث محمد حياة السندى، وكان هذان الشيخان على صفاء في العقيدة وتبرم مما عليه أبناء عصرهما من بدع وخرافات تصل في بعضها إلى درجة الشرك الأكبر، كما أخذ الشيخ العلم عن على أفندى الداغستانى وإسماعيل العجلونى والشيخ عبد اللطيف العفالقي الإحسائي والشيخ محمد العفالقى الإحسائى، وقد حصل في ذلك على إجازات علمية في صحيحى البخاري ومسلم وشروحهما وسنن الترمذي والنسائي وأبى داود وابن ماجه ومؤلفات الدارمي ومسند الإمام الشافعي وموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد وغيرها..
وقد رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بثاقب نظره، وبما منحه اللَّه من تفكير، وبما اكتسبه من معارف نتيجة لمطالعته لكتب السلف المتقدمين واستسقائه العلوم والمعارف من مصادر الإسلام الأولى الكتاب العزيز وما صح من سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكتب التفسير المعتمدة، وكذلك تأثره بشيخى الإسلام ابن تيمية وابن القيم وما رأى عليه مشائخه الذين تلقى عنهم العلم من خلوص التوحيد وصفاء العقيدة كابن سيف والمحدث السندى... أن كل ذلك قد أعطاه النظر الفاحص لما عليه قومه وبنو جلدته ومن جاورهم من البلدان من الانحراف عن طريق الإسلام الصحيح انحرافًا يصل في بعض الأوضاع إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة، فقد رأى في تلك المناطق مرتعًا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافى مع أصول الدين: فكان هناك قبور تنسب إلى بعض الصحابة يقصدها الناس ويطلبون منها حاجاتهم ويستغيثون بها لدفع كروبهم، ولقد وصلت الحال في بعضهم أن اتجهت العوانس من النساء إلى فحل من فحول النخل يرددون بعبارة مسجوعة: (يا فحل الفحول أريد زوجًا قبل الحول) وكما انتشرت هذه الخرافات في نجد رأى مثلها في الحجاز والبصرة والزبير، وسمع مثلها في عدن واليمن، فوزن هذه الأفعال المنكرة بميزان الوحيين كتاب اللَّه وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المتقين فرآهم في بعد عن منهج الدين وروحه. رأى أنهم لم يعرفوا لماذا بعث اللَّه الرسل، ولماذا بعث اللَّه محمدا للناس كافة. رآهم غيروا أصول الدين وفروعه إلا القليل.
أما الحالة السياسية فلم يكن هناك ضابط ولا رادع من سلطان ولا وازع من دين إلا ما قضت به الأهواء وكانت بلاده نجد وما جاورها مقسمة إلى إمارات صغيرة ومواطن قبائل تتناحر فيما بينها، وكل أمير كان على أهبة الاستعداد عندما تسنح الفرصة ليعتدى على جيرانه إذا ما شعر منهم بضعف أو عدم استعداد. هكذا كانت حالة البلاد عند ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ابتدأ الشيخ دعوته في هذا الجو وهذه الظروف بدأها في قومه في بلدة (حريملا) حيث كان أبوه قاضيا فيها، فوضح لهم أنه لا يدعى إلا اللَّه، ولا يذبح ولا ينذر إلا له، وأن عقيدتهم في القبور والأحجار والأشجار من الاستغاثة بها وصرف النذور لها واعتقاد النفع والضر فيها ضلال وزور، وقد عزز كلامه بآيات القرآن الكريم وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وسيرة أصحابه والسلف الصالح، فوقع بينه وبين الناس نزاع وجدال، ولا سيما مع بعض المنتسبين للعلم في وقته، ولكن ذلك لم يثن عزم الشيخ ولم يفل من قوته فاستمر يجاهد بلسانه وقلمه، وما زال معهم في أخذ ورد حتى طرد من حريملا. وذهب إلى العيينة واستطاع أن يقنع أميرها بصحة دعوته فتبعه على ذلك غير أنه اضطر إلى إبعاده من قريته لأنه جاءه تهديد من حاكم الإحساء بقطع خراجه، فكبر ذلك الأمير فأخرج الشيخ من بلدته فاتجه إلى بلدة الدرعية حيث استقبله أميرها محمد بن سعود وتعاهدوا على القيام بالدعوة إلى اللَّه ونصرة الدين والجهاد في سبيل اللَّه والتمسك بالكتاب والسنة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإقامة شعائر الدين، وبعد أن استقر الأمر في الدرعية أخذ المستجيبون للدعوة يتوافدون عليه، وصارت تأتى الوفود من كل حدب وصوب حينما علموا أن الشيخ في دار منعة. استمر الشيخ في دعوته مبينًا معنى لا إله إلا اللَّه فشرح لهم معنى الألوهية ووضح أصول الدين، وأخذ في إرسال الرسائل إلى أمراء البلاد النجدية وقضاتها، سالكًا في ذلك سبيل اللين والحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هي أحسن، والأمير محمد بن سعود يؤازره حسب مقدرته، ولكن خصوم الدعوة يعملون على تنفير القلوب عن الدعوة بكل الوسائل، والاعتداء على الداخلين في الدعوة، فلم يكن أمام الشيخ والأمير محمد بن سعود إلا الرد على هذه الاعتداءات، فدارت بينهم حروب استمرت سنتين كان النصر في أغلبها حليف الشيخ.
وقد ألف الشيخ مؤلفات كثيرة كلها تبين حقيقة دعوته وصحة مأخذه وصفاء مشربه. وعلى كل من يريد أن يطلع على حقيقة هذه الدعوة فليطلع على هذه المؤلفات وأغلبها في مسائل التوحيد وأصول الدين والرد على المخالفين، ومنها كتاب التوحيد، كشف الشبهات، الأصول الثلاثة، مختصر السيرة النبوية، أصول الإيمان، مسائل الجاهلية، مفيد المستفيد، وغيرها.

يتبع
>>>>

عبد اللَّه بن محمد بن حميد
تاريخ الاضافة: 18-09-2010
طباعة