سعد بن سعيد الغامدى
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

قال الله تعالى : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ...) - 3 -

 
عرض المقال
 
 
قال الله تعالى : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ...) - 3 -
1298 زائر
17-09-2010
غير معروف
بخاري أحمد عبده
نفحات قرآن ‏
بقلم بخاري أحمد عبده
------------------


‏( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ) ‏
في وطأة (1) الحاضر المر ، ووقذ (2) الأحداث التي تحكم القيد ، وتفرض القهر ، ‏وتعكس الذل نلوذ بالألق (3) المتجدد المنبعث من وسام الكمال ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) .‏
وأحس - وأنا بين يدي الآية مستدفئا مستلهما - بأشباح شامتة تتواثب من حولي ‏ساخرة ويروعني أنها كلها تحمل قسمات ذلك اليهودي الذي غص ، بالبناء ‏للمجهول .. بالآية فانبرى متوجسا ، طائر اللب يواجه عمر رضي الله عنه بتلك ‏القالة التي تشف عن صدر موغر (4) وقلق زائد . إن في كتابكم آية لو علينا نزلت ‏معشر يهود لاتخذنا يوم نزولها عيدًا : اليوم يئس … وهكذا أجدني مرة أخرى ‏وجها لوجه مع ذلك الموقف الذي يفرض على نفسه في إصرار - موقف يهود - ‏وظني أن اليهودي ذاك فطن إلى رفعة الوسام وجلال المقام ، وخال أن المسلمين - بلا ‏شك - لن يضيعوا ، ولن يفرطوا ، بل سيظلون أيقاظًا حريصين ، يذودون عن ‏الحمى ، ويذبون عن راية الكمال . وقدر أن الراية ستتوارث - بالبناء للمجهول - ‏جيلا بعد جيل وأن النعمة ستعظم وتعظم في يد الأجيال ، وأن قبضات المسلمين ‏ستزداد تشبثا ومنعة ، وهاله أن سهام يهود ستطيش لا محالة ، وأن أحلام ‏إسرائيل ستتبدد أدراج الرياح . وأن المستقبل إلى يوم القيامة سلم للمسلمين .‏
ولكن الذي كان عكس ذلك : ماجت الأهواء ، وثارت النزوات ، عصفت الفتن ، ‏ودالت الأيام فرفعت المنعة - بالبناء للمجهول - وانكشف المسلمون . فلا عجب إذا ‏تولدت من شبح ذلك اليهودي الأول أشباح متكاثرة متظاهرة ترقص وتشمت ، ‏وتسخر ، وترقب أرواح الآية التي راعتهم وهي تسرى طي ألباب معتمة ، وأفئدة ‏جوفاء دون أن تثير أو تقيم وتقعد .‏
ولقد ذهبنا - في هدى الآية - مع نازعة الخوف نعلو المشارف ، ونذرع الوهاد ، ‏ونرنو إلى الأدراك والأغوار . واستعرضنا - هناك - آيات فيها من رعدة الخوف ، ‏ومن خشوع التقوى ، وصدق الرجاء .‏
ورأينا - ثمة (5) - أن معاني الخوف والرجاء والخشوع والتقوى يتداخل بعضها ‏في بعض مؤثرة متأثرة . وأنها في مقاماتها العليا تقتدي ، وترتوي بحقائق التوحيد ‏فتزدهر كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع . وهذا ‏المقام الرفيع هو مقام المؤمنين الذين يرون بعين اليقين كمالات الله لا تتناهى ، ‏وجلالاته لا تحد ، فتمتلئ نفوسهم بوجل الهيبة ، ثم تأنس بالنعم الزاخرة ، ثم ‏تذكر مع العوالم الذاكرة ثم تخشع ، وتلين ، وتسكن راجية مشفقة . وعلمنا - ‏يومئذ - أن فيض ذلك الامتلاء الدسم المهيب مزيد من تقوى ، وذكر ، وشكر وحب ‏ لله شديد لا يداني - وانتهينا - آنذاك - متسائلين (هل يزايل الاطمئنان الوجل ؟ ‏وهل يجتمع الخوف مع السكينة في قلب ؟ ) ‏
إن الاطمئنان وليد امتلاء النفس بعظمة الله التي لا تداني ، وببره الذي لا ينضب ، ‏وبعدله ورحمته التي وسعت كل شيء … إلخ فهو إذن حق اليقين ، وكمال المعرفة ‏‏. وهو على هذا لا يتعارض البتة مع الوجل . لأن كليهما الوجل والاطمئنان ) ‏رجع الإيمان وشعاع المعرفة الحقة ، ونور التوحيد الصحيح .‏
واشعارا بأن الوجل والاطمئنان متكاملان ، ينبعان من مشكاة واحدة ، جمعهما الله ‏تعالى في آيتين متعاقبتين جمع تضمين ثم جمع تصريح ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) الزمر 22 ، 23 .‏
وليس بعسير على الناظر في هاتين الآيتين أن يدرك : -‏
1- أن شرح الصدر للإسلام يوحي بالمعرفة ، وينبئ عن امتلاء النفس بعظمة الله .‏
2- وأن النور الرباني الغامر الذي بسط سناه كي يستوي المؤمن على بساطه ويحلق ‏على أجنحة أضوائه يشف عن اطمئنان يفضي إلى مزيد من وضوح الرؤية ، فمزيد ‏من معرفة وإيمان ، ووجل ، واطمئنان .‏
3- وأن الإشارة إلى القاسية قلوبهم تذكر بالذين ( هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ(57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ(58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ(59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) المؤمنون57 - 60 .
4- وأحسن الحديث في ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) إشارة إلى نبع المعارف ، وإشادة بالمعين الذي لا يغيض ‏والرفد الذي لا ينقطع .‏
5- والقشعريرة التي تنتاب الناهلين من حياض القرآن أثر من آثار الوجل الصادق .‏
6- ولين الجلود والقلوب من بعد يبس وتصلب كناية عن الاطمئنان الخاشع الدفئ ‏‏.‏
هكذا تجتمع شواهد الوجل والإشفاق مع حقائق المعرفة والإيمان ، مع بشائر ‏السكينة والاطمئنان في قلب المؤمن .‏
والمؤمن منفعلا بكل هذا الفيض الرباني يندفع متأنيا نحو مزيد من حذر ورجاء ، ‏وقنوت واطمئنان ، ومعرفة وإيمان ، ويسمو إلى مستوى قول الله : ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (6) ) الزمر .‏
أرأيت كيف يجتمع السكون والحركة ، والرجاء والحذر ، والإيمان والبصر لدى ‏أولى الألباب ؟‏
الحق أن الاطمئنان وليد التوحيد ، وثمرة إسلام الوجه لله بلا تذبذب ، ولا تردد ، ‏ولا تلفت ينم عن الحيرة والقلق ، وينذر بالاهتزاز والشك وأن الوجل صدى المعرفة ‏الحقة بالله وعزته ، وبالحساب ودقته ، وبالجزاء وصرامته ، وبالأنفس وغيها ، ‏وبالجبلة وجموحها ، وبالموت وما بعده من مساءلة وبعث ونشر وحشر … الخ ‏وكلها حقائق تورث الوجل ، وتفضي بالعبد إلى أن يوحد ، ويخبت ويذكر ويصبر ‏‏، ويستقيم ( فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ(34)
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) الحج 34 ، 35 .‏
أنواع الخوف
الخوف - إذن - وثيق الصلة بقضية التوحيد ، وأمره من أجل هذا جد خطير . ذلك ‏لأن قلوب البشر جلها قلوب فئران . وليس بين البشر من يستطيع أن يزعم أنه لم ‏يعان من خوف شئ سوى الله . فأين هؤلاء إذن من كمال التوحيد ؟ وهل كل من دب ‏في كيانه دبيب الخوف من شيء أمسى مهددًا بشرك ؟ الحق أن الخوف باعتبار ‏متعلقاته يتعدد ، ويتنوع إلى أنواع :
(1) خوف الشرك أو السر
وحقيقته أن يخاف غير الله من أوثان أو طواغيت وقوى وأسماء تعبد وتدعى وتتقى ‏وتخشى كخشية الله اعتقادا أن في مقدورهم أن يضروا وينفعوا ، ويصيبوا بمكروه ‏متى شاءوا وهذا ما اعتقده المشركون في سائر آلهتهم فخافوهم وحاولوا أن يخوفوا ‏بها عباد الرحمن . والقرآن كثيرا ما استنكر هذا الخوف رافضا دوافعه ، ومظاهره ‏‏، وانفعالاته . وطالما أورد مواقف تشدق فيها المشركون بقدرات آلهتهم ، وحذروا ‏الرسل من سخطهم وويلاتهم . والرسل عليهم السلام يسمعون محوقلين (7) ، ‏ويتحدون مستهزئين .‏
حكى القرآن عن قوم هود وسجل الحوار الذي دار بينهم هادفًا متزنا من جانب ، ‏وطائشًا أرعن من جانب المشركين ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ(55)
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ) هود 54 - 56 .‏
ويعرض في موقف آخر هذا الضلال المبين مستنكرًا مبينا أن القدرة والقوة والعصمة ‏والعزة المطلقة لله وحده لا شريك له معقبا على قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏: لتكفن عن شتم آلهتنا ، أو لنأمرنها فلتخبلنك ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ) الزمر 36 - 37 .‏
ومثل هذا الخوف الشركي يتغلغل حتى يغشى الضمائر ، ويخيم بجذوره على ‏السرائر حيث يسرح منها أو يكمن فيها حتى يجليه الذي يعلم السر وأخفى في ‏الدنيا أو يوم تبلى السرائر .. وظني أن التسمية ( خوف السر ) توحي بالعلاقة ‏التي بين هذا الخوف وبين السرائر . أما تسميته بخوف الشرك فلأنه الشرك عينه ‏‏. وخوف السر ، أو الشرك أن تعلق بغير المولى كان شركا بواحا . إذ هو حق ‏الالهية ومقتضى الربوبية . ولذا نرى الخليل عليه السلام يبذل غاية جهده كى ‏يشجبه ، وينزه عنه نفسه ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(80)
وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون ) الأنعام 80 - 81 .‏
وهذا الخوف الشركي يدفع بميسمه جل المجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام وهي ‏غارقة إلى الآذان في طوفان الشرك . تقدس الأضرحة ، وتسأل الموتى . تؤله الرعاة ، ‏وتركع لمراكز القوى . تحتكم إلى الطاغوت ، وتنبذ شريعة المولى تفني في العرض ‏الحاضر ، وتكفر بالأجل الصادق . يختلون ، ويغدرون ، ويمارون ، ويبيعون ‏دينهم بدنيا غيرهم يؤولون ، ويحرفون ، ويدلسون ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا ‏‏. إلى غير ذلك مما هو أنكى من ذلك .‏
وخوف السر إذا التبس بالشرك فلم يخلص لله أحدث في السريرة بؤرة متقيحة ‏تعشش حولها صنوف الخوف الأخرى فيغدو منها المرء خائفًا من لا شيء ومن كل ‏شيء . وهو قد يتاح من السلطة ما يستر به خوفه وما يجعله يتنمر فيعوي ويصيح ‏وهو يتعثر في أذيال الجبن - صيحة فرعون ( ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ) وما من أحد يحجزه أو يمنعه اللهم ‏إلا الخوف المعشش في أعماقه .‏
وأمثال هؤلاء يخافون وهم في مواقع السلطة من الحق ، ومن الدين الذي يقذف ‏بالحق على الباطل فيدمغه ومن الوعي ، ومن الوحدة ، ومن الأمة المتآلفة ، ومن ‏الرواج الذي يتيح للأمة أن تنظر وتقدر وتنقد .. الخ . ‏
وإذا نحوا ( بضم النون والحاء المضمومة المشددة ) عن مواقع السلطة فقدوا الوزن ، ‏واضطربوا . وجبنوا جبن النعام وتهاووا مرتعشين إذا جاءهم يطلبهم شرطي صغير ‏كانوا يسخرونه بالأمس .‏
وهذه الروح السفلية مبعثها تشعب مسالك الخوف ، وتعدد رناته نتيجة تأصل ‏الخوف الشركي الذي يجمع حوله الهوام ، ويصيب السرائر بالعفن ، ومن هذا ‏المنطلق - منطلق خوف الشرك في السر والعلن ، ومنطلق البؤرة الممتلئة بالهوام ‏والعفن - شاعت أمثلة الذل فرددت الألسنة عبارات ذليلة منها :-‏
‏(العين متعلاش على الحاجب) (الميه متجريش في العالي) (اللى يتجوز أمي أقول ‏له يا عمي ) ( اليد التي لا تستطيع أن تلويها قبلها ) ( لو كان لك عند الكلب ‏حاجة قل له يا سيدي ) .‏
إنها كلها أبخرة العفن تتصاعد من بؤرات شركية متقيحة الأعماق . ‏
وخوف الشرك هو المفاعل الذي يولد سائر أنواع الخوف ، والذي يمدها بأرياح ‏العفن ، وينفخ فيها حتى تنفجر ، فتخنق بالدخان ، وتقذف بشظايا تعصف ‏بالكيان .‏
ومجمع الخوف المشيد على قواعد من شرك هو الذي يغرى بالكذب ، ويحمل على ‏النفاق ، ويدفع للرياء ويحض على الجمع والإيعاء ، ويحث على اغتنام الفرص ‏السوداء ، ويغرى بالسلب والنهب والعدوان كلما ساعدت الظروف ، وأمنت - ‏بالبناء للمجهول - الصروف .‏
وهكذا تمضى الدنيا ملوثة ، ويضحى العالم غابة ، ويمسي المجتمع كله مجتمع ‏رعاديد . يشتملون بكل أخلاق العبيد .‏
ويظل ذلك المفاعل يولد ، ويولد حتى يتكاثف الغاز ، ويتراكم الدخان فيضل الناس ‏عن سبيل الأوبة والرجوع . وعندئذ يستمر تدحرج الناس إلى جرف هار ينهار ‏بكل المؤسسات نحو النار ، ويستمر تساقط الناس في المهاوي السحيقة حيث السباع ‏‏، وحيث الضياع . وذلك مصداق قول الله سبحانه ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) من سورة الحج 31 .‏
ذلك هو خوف السر أو الشرك . وتلك مفاعلاته . والمسلمون اليوم يحملون أوزارها ‏‏، ويعيشون أوضارها (8) فهل يصلحون لأن يكونوا حملة وسام الكمال أو قذائف ‏تصيب جحافل الأعداء باليأس والقنوط ؟ ‏

بخاري أحمد عبده ‏
يتبع >>>>
* * * * * * * * * * * * *
(1) الوطاة : الضغطة والأخذة الشديدة .‏
(2) الوقذ : شدة الضرب .‏
(3) الألق : البريق .‏
(4) صدر موغر : ممتلئ بالحقد يتوقد غيظا .‏
(5) هناك .‏
(6) الألباب تهفوا إلى العلم وتغرى به ، وتستقرئ ، وتجمع ، وتعي حقائقه ثم ‏تقف بالمرء موقفًا وسطا بين الخوف والرجاء حيث القنوت الخاشع الذي تملأ ‏ذبذباته المطمئنة آناء الليالي الساكنة الهاجعة . ثم تسمو بوجدانه نحو مستوى ‏رفيع لا يداني ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) .‏
(7) الحوقلة قولك لا حول ولا قوة إلا بالله استنكارًا أو تعجبًا أو تأسفا وتحسرا .‏
(8) اوساخها ومفاسدها .‏

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 10 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ