زيارة القبور
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

قال الله تعالى : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ...) - 4 -

 
عرض المقال
 
 
قال الله تعالى : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ...) - 4 -
1061 زائر
17-09-2010
غير معروف
بخاري أحمد عبده
نفحات قرآن ‏
بقلم : بخاري أحمد عبده
------------------


قال الله تعالى : - ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ) ‏
في حديثنا عن توحيد الرجاء ، والخوف مضينا نقتبس من نفحات ( فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ) ونفتق (1) ( ‏بتشديد التاء المكسورة ) من رتق (2) خوف السر ، وشرك السريرة . ونتتبع ‏أصداءهما تتردد في مفازات (3) القلوب ، وذبذبات المشاعر .‏
ورحنا يومئذ نقدر النظام (4) الذي يجمع بين رعدة الخوف ، وقشعريرة التقوى ‏‏، ورجع الخشوع .. وبين هدأة الرغب (5) ، وحرارة الرجاء ، وسكينة الإيمان .‏
ورأيناها جميعها مظاهر لصدق التوحيد ، وشواهد على الإخبات ، وإسلام الوجه ‏لله فإذا جخيت (6) (بالبناء للمجهول مع تشديد الخاء) القلوب ، وارتجفت ‏المشاعر وأفلس الوجدان عربدت دواعي الخوف ، وضلت ، وأحدثت في الأعماق ‏مباءات منخورة متقيحة تقذف بالقيح ، وتحتضن الجراثيم ، تنمو، وتسرح تغتال ‏الأقدار ، والأوزان ، وتهدم الجواهر والأعراض .‏
وضربنا يومئذ أمثلة هياكل مرسومة تستمد ذاتيتها من المنصب ، والموقع ، ‏والكرسي حتى إذا فاصلوا الموقع ، وزايلوا الكرسي تلاشوا ، وهانوا بعد أن كانوا . ‏وعاشوا يتشدقون بأمثلة الذل ، ويلوذون بأخلاق العبيد ، وشعارات الهوان . ‏فكانوا بذلك مصداق قول الله سبحانه ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) المنافقون .‏
والمؤسف أن جل الرءوس المسلمة التي تتصدر ، وترود ، صنعوا (بالبناء للمجهول) ‏على عين الأعداء ، وخلصوا لمخططاتهم ، ووطنوا (بالطاء المشددة) كل من وراءهم ‏مجمع ذلك الخوف المبير (7) ، فلا عجب إذا غدوا جميعًا أخيلة ظل لا تصد ‏عوادي ولا ترد كيدًا ، ولا تذود عن حمى ، وعدنا كما قال الشاعر :-‏
نامت نواطير (8) قومي عن ثعالبها (9) :‏
‏ وقد بشمن (10) وما تغني العناقيد .‏
ذلك لأننا اشتملنا اشتمال الصماء (11) بخوف السر ، وأخلاق العبيد ، وضربنا في ‏أودية الشرك نصول فيها ونجول ونطلب الطعن وحدنا والنزال .‏
خوف التفريط
هو إفراط في خشية الناس يسلم إلى التفريط في جنب الله ويصرف عن التقوى ويعقب ‏الندامة والحسرة شأن أي إسراف على النفس ، أو أي نبو عن الله وانصراف عن ‏منهجه .‏
وظني أن آيات الزمر تكز (12) - ضمن من تكز - أصحاب هذه النزعة النابية حتى ‏يتداركوا أنفسهم قبل الفوات ( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ(55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ(56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِين ) ..‏
والإنابة المعنية هنا هي الرجوع إلى الله . كما أن الإسلام - في الآية - أن تستخلص ‏النفس بكل قواها الواعية لله ، وأن تجنبها شوائب التهافت على غير الله . وهذان ‏الأمران هما قوام التوحيد - اقبال على الله ، واجتناب كل ما عداه - وبهما تتفتح ‏آفاق الرشد ، وتوصد (13) مسالك الغي وإليهما تنجذب الفطر السوية ، وتعشو (14) ‏بلا إكراه . وعلى ضوئهما يسفر (15) المنهج ، ويشرق الطريق . وعلى أجنحتهما ‏يكون التحليق ، ويلاذ بالعروة الوثقى . وصدق الله : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ (16) لَهَا ) البقرة 256 .‏
والإنابة والإسلام يحتمان على المسلم المنيب :‏
1- الإقبال على الله بكل الحب . فإذا بلغ المرء بحبه هذا المستوى الرفيع ضمن أن ‏يرتد رجع هذا الحب مشرقًا زكيًا نديًا إلى الملائكة والناس . والانحراف بهذا ‏الحب عن هذه الجادة (17) الميمونة إلى جواد ( بتشديد الدال ) أخرى يعد شركًا ‏واتخاذ للأنداد ، وظلمًا يؤدي إلى عذاب ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ) البقرة 165 .‏
2- كما يحتمان الإقبال على الله بكل الخشية . فإذا بلغ المرء بخشيته هذا

المستوى ‏ضمن أن يرتد رجع هذه الخشية الخالصة لله إلى قلبه بردًا وأمنا وسكينة . وإلى ‏الناس حيث تحس قلوبهم نحوه بالهيبة ، والوقار ، وبمزيد من حب .‏
والانحراف بهذه الخشية عن هذه الجادة إلى جواد أخرى يعد - كذلك - شركًا ‏واتخاذًا للأنداد استوجب من الله التنديد ( إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) النساء 77 .‏
وخوف التفريط كخوف السر مناف لكمال التوحيد ، فلا عجب إذا نسب إلى ‏الشيطان بعد آيات تشيد بمؤمنين كمل إيمانهم فعلت أرواحهم ،وزكت أفعالهم، ‏وأضحوا كيد الناس ، وغيظ الشيطان ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ(174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين ) آل عمران 173 - 175 . ‏
وواضح أن الآية الثالثة من هذه الآيات تكشف دور الشيطان وتوحي بأنه وراء هذا ‏الخوف يذكي لهيبه ، ويصم به أولياءه ثم يحدوهم إلى مهاوي التفريط ، والعصيان ‏والهوان .‏
والله الذي وقى عباده كيد إبليس ، يتعاهد المؤمنين بفضله ، ويتداركهم بكتابه ‏وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، حتى لا يقعوا في شباك الشيطان وأحابيل جنوده .‏
ولقد وقفنا عند قول الله ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) الزمر 36 .‏
والآية تتصدرها همزة تستهدف التقرير ، وتسجل الأفكار . فعبد الله بحكم هذه ‏الهمزة مكفى مجزى يعلو على هواجس السوء ، ويستنكر مجرد التفكير في ‏إمكانية تخلى الله عن عبده المؤمن . والمؤمن إذا استحكمت فيه هذه المعاني سخر من ‏كل دواعي الخوف ، واستهان بكل حيل الشيطان . وبلوغ هذه المنزلة الرفيعة هو ‏عين الهداية التي يمن الله بها على عباده . والهوى ( بضم الهاء وكسر الواو ، ‏وتشديد الياء ) في بؤر الخوف المارجة تحت أقدام الشيطان هو عين الضلالة ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ(34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ(35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ) ‏الزمر 36 ، 37 .‏
إن الآية ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ ) بمجازاتها الصادعة التي تكاد تكون قسمًا ، شفاء لصدور قوم مؤمنين .‏
ونقف معًا وقفة واعية عند آية تقرر أن التداعي في مواجهة المحن ، وأن الذوبان ‏من خوف الناس انسلاخ عن الإيمان ، واستهانة بل كفر بما عند الله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) العنكبوت ‏‏11 .‏
فكأن المؤمن من مقام الإيمان السامق يرى ببصر حديد كل ما تحجبه الغفلات عن ‏غيره ، ويقدر مقام ربه فيرى بعين اليقين نذر الوعيد قبل بشائر الوعد ، وحينئذ ‏تصغر أمامه الدنيا وما حوت ، ويهون سراؤها وضراؤها ، وشدتها ورخاؤها ، ‏ويكون بحيث لا يغريه ذهب المعز ، أو يرهبه سيفه ، بحيث لا تحرقه فتنة أو ‏تفتنه محنة ، أو تأسره منة . بعيدًا بعيدًا عن دخن الخوف ومظان التفريط في جنب الله .‏
هكذا يكشف القرآن إيقاع الخوف ، ويرصد دبيب الشرك المنبعث من نوازعه حتى ‏يقطع المؤمن مسيرته إلى الحق نقيًا ، سلمًا لله . متحررًا من أعباء الطين ، وضغوط ‏الهوى وآصار الشيطان .‏
والسنة النبوية وقفت بدورها عند قضية الخوف وقفات هادية فيها تنديد بخوف ‏التفريط ، وتحقير من شأن كل هلوع منوع جزوع يلهث إن تحمل عليه أو تتركه .‏
روى ابن ماجة عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : - (لا ‏يحقر أحدكم نفسه . قالوا : - يا رسول الله . كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال : - ‏يرى أمرًا لله فيه مقال ثم لا يقول فيه ، فيقول الله يوم القيامة : - ما منعك أن ‏تقول في كذا وكذا ؟ فيقول : خشية الناس . فيقول سبحانه :- فإياي كنت أحق أن ‏تخشى ) .‏
وفيما رواه ابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : - ( من التمس رضا ‏الله بسخط الناس رضي الله عنه ، وأرضى عنه الناس . ومن التمس رضا الناس ‏بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) .‏
وخوف التفريط - كما اتضح - وليد مراقبة الناس ، والحرص على فتاتهم ، ‏وركوب المحظور من أجل إرضائهم . والحق أن من التمس رضا الله كفاه الله مئونة ‏الناس . ومن التمس رضا الناس وكله الله إلى الناس وذلك هو الخسران المبين .‏
وهؤلاء الذين آثروا رضا الله ، وخافوا مقامه مخلصين ، ورأوا قضاءه وتصاريفه في ‏كل هالكة تغشى فتفقد الناس الصواب . هؤلاء هم خلفاء الله في الأرض ، وهم سدنة ‏دينه وعمار بيوته ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّه ) التوبة 18 .‏
أما الذين يرقبون الناس متفانين ، ويخشونهم متهالكين فهم سريعًا ما يخرون ‏للأذقان ويعطون الدنية في دينهم مستسلمين .‏
وخوف التفريط - كخوف السر - يعم مجتمعات المسلمين فيوردهم موارد الهلكة ، ‏وينزلهم منازل التقاعس ، والامعية ، والاستخذاء ، والنفاق ، واللامبالاة ، ‏والإغماض والتصفيق لكل ناعق ، والتهليل لكل باغم (18) ، وتكثير سواد كل جائر ‏غالب … إلخ .‏
كل ذلك والقرآن ينعى عليهم خوفهم ، واستخذاءهم ، وإيثارهم حظوظ الدنيا ، ‏واستمراءهم السلبية البغيضة التي تؤذن بالكفر ، وتنم (19) عن المادية ، وتسلم ‏للأغلال .‏
وهذه المعاني المرذولة تروج تحت أسماء مبتكرة أو مفتراة ما أنزل الله بها من ‏سلطان . تروج تحت ستار التقدمية أو السياسة أو الوحدة الوطنية … إلخ .‏
ونقرأ هنا - مستشفين مستهدين - قول الله : - ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) المائدة 44 .‏
فنحس أن الآية تحيط بالقمة والقاعدة ، وتنعى على علماء السوء إيثارهم العرض ‏الحاضر على الدين والأجل الصادق ، وتصورهم يرقصون رقصات النفاق في حلبات ‏الهوى . فوق أشلاء القيم :‏
1- تنعى على الحكام أن ينحرفوا بالحكومة ويمضوها على خلاف ما أمر الله به .‏
2- وتنعى على السدنة أن يطوعوا الدين ، ويفتروا على الله الكذب ، ويغيروا ‏ويحرفوا تخاذلاً وذلاً ، أو تملقًا وتهافتًا ، أو محاباةً وتزلفًا ، أو ولاء وتقربًا ‏لمعسكر غربي أو شرقي .‏
3- وتنعى على الرعية أن يرضوا بالدنية ، والسلبية ، والامعية ، أو أن ينسلخوا ‏عن آيات الله غفلة أو جبنا .‏
ونقرأ - مستشفين مستهدين - آيات عبرناها عبورًا رفيقًا . يربأ الله فيها بالمؤمنين ‏أن يهنوا ساعة يستنفرون . أو يثاقلوا إلى الأرض يوم يجتاحون (بالبناء ‏للمجهول) أو يقيموا - وهم المؤمنون - وزنًا لأعداء الله وجند الشيطان . ويعرض ‏خلال ذلك صورة كالحة لفريق خوار لم تداخل قلوبهم رزانة الإيمان . ويسوق كل ‏هذا وعظًا للمؤمنين وزجرًا للمترنحين ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) النساء 77 - 78 .‏
فإذا كان الموت محققًا ، والمتاع الدنيوي محدودًا ، والكائنات جميعها ظلا زائلاً .. ‏ففيم الخوف ؟‏
وحسبنا تربية في هذا المقام ما حكاه القرآن عن سحرة فرعون : ( فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) طه .‏
خوف وعيد الله ‏
وهذا الخوف طابع المؤمنين . والقرآن يمتدح هؤلاء المؤمنين في آيات كثيرة . من ‏ذلك قول الله : - ( … ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) إبراهيم 14 وقوله سبحانه ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) الرحمن . وكذلك قوله ‏سبحانه : - ( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ(27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) الطور 27 - 28 ومن ذلك ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ) الدهر .‏
هذا هو الخوف المحمود ، ولكن بشرط ألا يفضي إلى اليأس والقنوط ( قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّون ) الحجر .‏
والمؤمن - محفوفًا بهذا الرهب ، وبمثله من الرغب - يقوم مقامًا وسطًا يقيه ‏الجنوح والجموح والإفراط والتفريط .‏
الخوف الغرزي
كالخوف من إعصار ، أو عدو ، أو من مجهول … إلخ . ومثل هذا الخوف طبعي ‏يعتري الإنسان والحيوان . ولا سيطرة لأحد على ظواهره ، وانفعالاته . كيف ‏والأنبياء عليهم السلام رغم مقاماتهم المحمودة عانوا من هذا الخوف فتداركهم الله ‏بالسكينة والطمأنينة والأمن .‏
حكى القرآن عن موسى أنه أصبح في المدينة خائفًا يترقب . وخرج منها خائفًا ‏يترقب . وحكى عن إبراهيم أنه أوجس من ضيفه خيفة . وحكى مثل ذلك عن لوط ‏وداود وهارون وغيرهم . وعتب على رسوله صلى الله عليه وسلم لاهتمامه البالغ ‏بعادات الناس اهتمامًا كأنه الخوف ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى (20) النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) .‏
وبعد فإن دبيب الخوف إلى القلوب وسيطرته على الأزمة نذير ردة وعامل انهيار . ‏وشأن المؤمنين أن يجهروا بالحق دون أن يخشوا لومة لائم ، وأن يقدموا في ساحات ‏الجهاد دون أن يخشوا صولة باطل ، وأن يقيموا حدود الله دون أن يخشوا سطوة ‏مارق ( أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين ) التوبة .‏
بخاري أحمد عبده ‏
* * * * * * * * * *
(1) نشق ، ونفتح .‏
(2) ضد الفتق أي من استغلاقه .‏
(3) المفازة الصحراء المهلكة .‏
(4) النظام سلك اللؤلؤ ونحوه .‏
(5) هدأة الرغب اعتداله واتزانه .‏
(6) جخيت : نكست على رأسها .‏
(7) المهلك .‏
(8) الحراس .‏
(9) كناية عن المغيرين المكرة .‏
(10) امتلأن وشبعن .‏
(11) اشتمال الصماء أن تتلفف بالكساء فتشد به جسمك شدًا محكمًا يعوق عن ‏الحركة ويبرز العورة . والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن اشتمال الصماء ‏‏.‏
(12) الدفع بجمع الكف .‏
(13) توصد : تغلق .‏
(14) تعشو : تتجه وتقصد .‏
(15) يسفر : ينكشف .‏
(16) لا تنحل .‏
(17) الجادة : الطريق والجواد : الطرق .‏
(18) البغام الصياح بصوت رخيم . والمقصود لكل من يغني عليهم .‏
(19) تنم : تكشف .‏
(20) الخشية هنا ليست على بابها بل هي كناية عن المبالغة في مراعاة عادات الناس ‏

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 9 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ