أعمال تلحقك بعد الموت
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ...) - 4 -

 
عرض المقال
 
 
قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ...) - 4 -
1161 زائر
18-09-2010
غير معروف
بخاري أحمد عبده
نفحات قرآن
بقلم بخاري أحمد عبده
-------------------


(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُو خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون ) 183-185 البقرة.
حس اليقين
وقفنا طويلاً- وسنقف- نتشمم عبير الحرية المتهادي حول آيات الصيام شذياً سخياً والهدايات التي تصدرها الآيات غزيرة كثيرة. غير أن رؤية الإنسان قد تختلف من حالة إلى حالة. والآية من القرآن تتفتح لك وفق ظروفك . ترى منها في ساعات العسرة غير ما ترى في ساعات اليسرة. وتنشد منها في أيام التحاريق غير ما تنشد في أيام الرخاء.
والنفس المكلومة قد تصفو، وترق، فتحس- بإذن ربها- حس اليقين وحس اليقين الذي يشف عن نفس مكلومة انطلق يعقوب عليه السلام يصيح في بنيه- وقد جاءوه عشاء يبكون- ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) 18 يوسف.
وحين تكررت المأساة أسعفته البصيرة، وأدركه حس اليقين، وكان ما حكى القرآن ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُو الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُو كَظِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَو تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوبَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ )يوسف 83- 87 .
هذا الإدراك الذي أسميناه حس اليقين يسمى أحياناً بالحاسة السادسة. ولعله الألمعية التي أشاد بها العرب، وأجلوا أصحابها أيما إجلال. قال شاعرهم يرثي ألمعيا رحل:-
أيتها العين أجمـلي جــزعاً إن الذي تحذرين قد وقـعا
إن الذي جمع السماحة والنجدة الحـزم، والتقـى جمــعا
الألمعي الذي يظن بـك الظـن كأن قد رأى، وقـد سمـعا
ودى، وما تنـفع الشـفاعة إذ أودى لمن قد يحاول البـدعا
ولعله فراسة المؤمن التي تعتمد على سداد البصر، وجلاء البصيرة.
وقد حبا الله يعقوب عليه السلام بحظه من كل هذه المعاني التي جلتها المصيبة، حتى أنه- بهذا الحس- يتشمم- على البعد- ريح يوسف، وفق ما جاء في القرآن الكريم ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون ).يوسف 93-96 و ونحن بنفس نكبت في حريتها، مكلومة نجوس خلال الآيات ننشد في رياضها أرواح الحرية، وعبير الجنة المفقودة الذي يسري خلال آيات تصدع هذه الأمة التي استمرأت الرق برغم نداءات الحرية التي ترتفع من مآذن القرآن الكريم.
عمارة الفراغ أيضاً
تبين لنا أن الفراغ الأجوف كالأرض الموات تكون لمن سبق، وتنبت كل ما يبذر فيها. بل كالحفرة التي تمتص كل ما ألقى فيها، أو سال نحوها من قذر، أووحل، أوغير ذلك. ومن هنا كان اهتمام الإسلام بملء الفراغ الذي يتم جنباً إلى جنب مع عمليات اجتثاث الطفيليات، ونزح المخلفات، وتطهير القيعان.
وقد عشنا مع الهدايات التي تواكب آيات الصيام وهي تجلوالأوعية، وتخصب التربة حتى تغدو صالحة، متفاعلة مع الحقائق القرآنية التي تخترق السدود، وتفرج عن نزلاء سجون الفراغ. وظني أن القرآن وهو يصدع الجاهلين بمثل قوله( إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) يونس 68(….فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ….) آل عمرآن 66 (….قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا…. ) الأنعام 148 (…نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ….) الأنعام 143 (ْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) الزخرف. وبمثل قوله:( أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ) 37 القلم.
بل ظني أن القرآن بكل آياته التي فيها من مادة (ع ل م)أومن مادة (ك ت ب) إنما كان يشجب الفراغ، ويسحق(1) صنيع الذين يتطلقون من فراغ، ويحدوهم إلى الموازنة الصحيحة بين الفارغ والملئ، بين الجاهلية والإسلام.
وواكبنا آيات تملأ خواء العقيدة، وخواء الوجدان وخواء القيم، وخواء الفكر.. وآيات تربي بالتشريع الذين يغطي كل جوانب حياة المسلم(2) حتى لا يكون فيها انكشاف، أو انفتاح يغري الهوام المتلصصة.
وشعار الإسلام (بلغوا عني، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) والإسلام- لهذا - يأمر بإشاعة البينات، والهدى، ويتهدد الذين يكتمون بالويل، والثبور ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) 159-160 البقرة
ولخطورة أمر الكتمان، ووخامة عاقبته في الدنيا، والآخرة شدد القرآن الكريم على الكاتمين في آيات مختلفة تحتم جميعها متضامنة بث العلوم، ونشر المعارف، وتجسم مسئولية الكاتمين طمعاً في مقابل مادي أو معنوي .
1. نعى(3) القرآن على الكاتمين كتمانهم ما شهدوا من حق أو علم فقال:-( وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) 43 البقرة. وقال ( ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُه…) البقرة 283.
2. وذكر أن البيان عهد الله الموثق على الأولين، والآخرين ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ )187 آل عمران .
3. وإظهارا لشناعة الأمر أخرجه الله في صورة مجسمة ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّار ) البقرة 174.
والهدف أن ينتشر النور، ويتدفق ليملأ كل فراغ،ويسد كل خصاصة
جمود التقليد
التقليد يشي بالفراغ، ويورث الجمود. والجمود صمم، وعمى، وشلل. والإسلام كما يقاسي من الجاحد يقاسي كذلك من الجامد.
والقرآن يهتم بأن يحركك حتى يحررك، وكل تلك الأمواه(4) النقية الغنية التي يملأ بها القرآن الفراغ، تجرف- فيما تجرف- التقليد الأعمى ورواسبه، وخبثه.وكسراً لحواجز التقليد نعى القرآن كثيراً على المقلدين، وأنكر مواقفهم ورفض منطقهم القائم على:- ( إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) 23 الزخرف ( قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ) 53 الأنبياء ( وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) 74 الشعراء وتلقي تراث الآباء بالتقديس بلا نظر ولا إعمال فكر بهيمية لا تليق بالإنسان الحر، فلا عجب إذا حشر المقلدون مع سائر الفئات التي انحطت إلى درك الأنعام ( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا ءَابَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ )الصافات 68-70 .
والقرآن بغية تحطيم هذه الأغلال- يحرك فيهم قوى الإدراك والفكر بأسلوب حكيم ينطوي على سخرية لاذعة تحمل على النظر، والتفكير ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَو كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) المائدة 104.
وسورتنا- البقرة- التي تهتم بتأصيل جذور الحرية، وإشاعة نورها في مجتمعات المسلمين، لم تغفل هذا الجانب،بل واصلت الطرق على هذا النير حتى يتفتت، ويسقط. تقرأ هذا في الآيات التي تعرض مشاهد المتبوعين، والأتباع وهم يتحاجون في النار ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَو أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار ) البقرة 166-167.
وفي الآية التي تعجب (بضم التاء وتشديد الجيم المكسورة) ممن يهرعون أنعاماً خلف أنعام ملفين كل القوى المدركة التي أنعم المولى عليهم بها (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَو كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) 170-171 البقرة.
بل يتجاوز القرآن قضية التقليد إلى التقاليد الموروثة البالية التي يتحاكمون إليها، ويقدرون بها والتي تتجلى في قالة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) 247 البقرة.
وهذه النظرة التقليدية انتقلت ( بالعدوى) من يهود إلى العرب فقالوا:- ( لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) 31-35 الزخرف.
طرقات، بل طلقات تصيب عرا الأغلال التي كانت تكبلهم فتعوق نموهم، وتحررهم، وتطورهم.فإذا انحلت عرا هذه الأصفاد وسقطت عروة من بعد عروة تخفف المسلم، وانتصب عملاقاً، وتحرك وقد وضع آصار الشهوة، والمادة، وتخلص من ضغوط التقليد، والتقاليد.
والإسلام بكل تعليمه يخلق الروح الاستقلالية في المسلم (لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنسكم أن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا )(5) وهذه الروح الاستقلالية التي يذكيها الإسلام هي بداية فك الارتباط بين منهجي الحق والباطل.
غزو الألباب
والقرآن- وهو يزيل الأغشية، ويمزق الشباك، ويحرر الأغرار المكبلين-اهتم اهتماماً بالغاً بحملات الغزو الفكري، وعمل على تنقية الألباب(6) مما غشيها، أو تراكم فيها من سموم الأفاعي، وقيء الشياطين. ولا نزاع في أن الأجواف المفعمة بقيء الشياطين مرتع خصب للأفاعي، ومسرح جيد لسمومها.
والشيطان- من أجل هذا - الفكرى الذي يوجه لاجتياح نور الحق واحتلال القواعد التي يمكن أن يحط فوقها الحق. أو- على الأقل- لإطفاء ما تيسر من أضوائه، ومزاحمته في قواعده.
والشيطان من أجل هذا- يفرغ تفريغاً، ويجوف تجويفاً، ويغير المفاهيم، ويزيف تزييفاً. وهو الذي يسدل أستار الغفلة، ويجد كي يلهي، وينسي،ويبلي العزيمة ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) 115طه.
ولقد مارس الشيطان هذه اللعبة- أول ما مارس- مع آدم، وحواء. وسوس لهما، وقاسمهما ودلاهما بغرور، ومناهما، وأطمعهما في الملكية، والخلود، ولم يزل بهما حتى أزلهما، وبدت لهما سوءاتهما وفق ما جاء في آيات جمة (وَيَا ءَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَو تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُو مُبِينٌ… إلخ ) الأعراف19-27.
وترديد هذه القصة، وتكررها في مواطن عدة، بأساليب متكاملة يدل على شدة اهتمام الإسلام بالغزو الفكري الخفي. واتقاء هذا الغزو، وابتغاء أن يطيش سهم الشيطان، ذكر القرآن أمر الشيطان، وكيده، وعدواته ووسوسته، وتغريره، وتزيينه، وعدد إمكاناته مرات، ومرات.
والشيطان لا يلعب هذه اللعبة وحده، بل ينطلق ومعه أولياؤه وجنوده ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْت الخ الأنعام 128.
وأولياء الشيطان يردعونه ويسدون مسده حين يسلسل في رمضان ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا … الآية) الأنعام 112.
والحلفاء من شياطين الإنس والجن يهتمون- بالدرجة الأولى- بالغزو الفكري، وما يتطلب من تعتيم، وتخييل، وتمويه، وتغرير، وتزييف حتى يسود الباطل، أو على الأقل يلتبس الحق بالباطل.
وأهل الكتاب- بما حرفوا، وبدلوا وابتدعوا، وزيفوا- هم عدة الشيطان، وأذرعه اليسرى(7) في هذا المجال الوبيء. والمولى جل وعلا يحذر من تحالف القوتين ضد محتوى الفكر المسلم ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُو الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) البقرة120. والذي جاء من العلم حري أن يملأ الفراغ، ويوقف مد الأهواء والأغواء.
ويكشف سبحانه الدوافع المحركة وراء نزعة العدوان على محتوى الفكر ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَو يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ الآية ) البقرة109 .
ويزدري القرآن الكريم دعواهم وينبذها نبذاً بلا نقاش إيحاء بتفاهتها وسقوطها (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَو نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَىَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ وَهُو مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ). البقرة111-112.
وإرادة التعتيم حتى نبتلي بالتخبط، ونصاب بالخبال تعيها حين تتدبر الآية الكريمة التي تكاد تكون نصاً في محاولات الغزو الفكري ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر …118 آل عمران(8)

بخاري أحمد عبده
يتبع >>>>
* * * * * * * * * * * * * *
(1) يبعد.
(2) حياة المسلم حياة موصوله تمتد حتى الصراط المستقيم.
(3) شهر بهم تشهيراً وأظهر عيوبهم.
(4) المياه.
(5) روي عن ابن مسعود موقوفاً ورواه الترمذي عن حذيفة بإسناد فيه ضعف.
(6) الألباب جمع لب، واللب العقل والوجدان.
(7) ظني أن الشيطان كلتا يديه شمال.
(8) لنا إن شاء الله وقفة مع هذه الآية - ومع الغزو الفكري ولكن في مقام آخر.

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 6 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ