الإسراء والمعراج
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

فضل العلم ومصيبة الموت

 
عرض المقال
 
 
فضل العلم ومصيبة الموت
973 زائر
11-08-2010
غير معروف
صفوت الشودفي

الحمد للَّه على كل حال، ونسأل اللَّه حسن المآل.

وبعد:

فيقول اللَّه - تعالى -: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155 - 157].

ولقد مات إمامُ أهل السنة والجماعة، علاَّمة هذا العصر، ومجدد هذا الزمان، سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، ونحن لا نقول إلا ما يرضي ربنا: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .

وموت العلماء مصيبةٌ لا تُجبَر، وثلمة في الإسلام لا يسدها شيءٌ ما اختلف الليل والنهار؛ وذلك لأن العلماء هم مفاتيح الجنة؛ لأنهم يدلُّون الناسَ عليها بما يعلِّمونهم من الهدى، ويحثون عليه من العمل الصالح، وهم خلفاء الأنبياء؛ لأنهم يبلِّغون رسالاتِهم من بعدهم، وهم ورثتهم؛ لأن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا؛ وإنما ورَّثوا العلم.

وعالِمُنا وإمامنا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، كان من هؤلاء العلماء - نحسبه كذلك - فقد آتاه الله الحكمة، فكان يقضي بها ويعلِّمها، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، والحكمة - كما قال الإمام مالك - هي الفقه في دين اللَّه، وهو منزلة عالية، قال فيها أبو هريرة - رضي اللَّه عنه -: "لأن أجلس ساعة فأفقه في ديني، أحبُّ إليَّ من أن أحيي ليلة إلى الصباح".

وقد كان - رحمه اللَّه - في جهاد دائم بلسانه لا ينقطع، وقد ذكر ابن عبدالبر بسنده إلى ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - أن رجلاً سأله عن الجهاد، فقال: ألا أدلُّك على خيرٍ من الجهاد؟ فقلت: بلى، قال: تبني مسجدًا، وتعلم فيه الفرائض، والسُّنة، والفقه في الدين.

كما كان - رحمه اللَّه - زاهدًا في الدنيا، معرضًا عنها، مقتديًا في ذلك بالصحابة - رضي اللَّه عنهم - فقد ورد أنه لما حضرتْ معاذَ بن جبل - رضي اللَّه عنه - الوفاةُ، قال لجاريته: ويحك! هل أصبحنا؟ قالت: لا، ثم تركها ساعة، ثم قال: انظري، فقالت: نعم، فقال: أعوذ باللَّه من صباح إلى النار، ثم قال: مرحبًا بالموت! مرحبًا بزائرٍ جاء على فاقة! لا أفلحَ مَن ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحبُّ البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنتُ أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، ولظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالرُّكب في حلق الذِّكر[1].

وكان العلاّمة ابن باز - رحمه اللَّه - يجمع بين العلم والعمل، وقليلٌ من العلماء في زماننا مَن يفعل ذلك.

وقديمًا كتب رجل من الصالحين إلى أخٍ له يقول له: "إنك قد أوتيتَ علمًا، فلا تطفئ نورَ علمك بظلمات الذنوب، فتبقى في ظلمةٍ يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم إلى الجنة".

ومع أنه - رحمه اللَّه - كان أعلم أهل الدنيا في عصره، فقد كان يطلب العلم، ويمضي أوقاتًا طويلة في السماع والقراءة عليه والإملاء، وفي هذا حثٌّ عظيم للخطباء والدعاة والوعاظ على الاستمرار في طلب العلم والمثابرة على ذلك؛ فإن العلم لا يثبت ولا يزيد إلا بهذا.

وقد قيل لابن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات إن شاء اللَّه، وسُئل سفيان بن عيينة: مَن أحوجُ الناس إلى طلب العلم؟ قال: أعلمُهم؛ لأن الخطأ منه أقبح.

ونقل ابن عبد البر عن بعض العلماء قوله: "لا تزال عالمًا ما كنت متعلمًا، فإذا استغنيت كنت جاهلاً".

والعلماء - وحدهم - هم الذين يعرفون فضل العلم، وعظيم منزلته؛ ولذلك فهم يحثون طلبة العلم دائمًا على تحصيله، مع الصبر والمصابرة والمرابطة في طلبه، وإلا فلن يدركوه إلا قشورًا لا تُسمن ولا تغني من جوع.

وكان الإمام مالك - رضي اللَّه عنه - يقول: "إن هذا الأمر - يعني: العلم - لن ينال حتى يذاق فيه طعم الفقر"، وذكر ما نزل بشيخه ربيعةَ من الفقر في طلب العلم، حتى باع خشب سقف بيته في طلب العلم، وحتى كان يأكل ما يلقى على مزابل المدينة من الزبيب وعصارة التمر!

وهذا أبو يوسف صاحب أبي حنيفة - رضي اللَّه عنهما - يقول: "لقد طلبْنا هذا العلمَ وطلبه معنا من لا نحصيه كثرةً، فما انتفع به منا إلا من دبغ اللبنُ قلبَه؛ وذلك أن أبا العباس لما أفضى إليه الأمر، بَعَثَ إلى المدينة فأقدم إليه عامة من كان فيها من أهل العلم، فكان أهلنا يعدون لنا خبزًا يلطخونه لنا باللبن، فنغدو في طلب العلم، ثم نرجع إلى ذلك فنأكله، فأما من كان ينتظر أن تصنع له هريسة أو عصيدة، فكان ذلك يشغله حتى يفوته كلُّ ما كنا نحن ندركه".

ولأجل هذا قال العلماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة، بقي في ذلك الجهل أبدًا.

وقد بقيت كلمة أخيرة تتعلق بسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه اللَّه رحمة واسعة - وهي علاقته بحكام المسلمين، فلقد كان - رحمه اللَّه - يقوم بواجبه في هذا الباب خير قيام، لا يسبقه إليه ولا يساويه فيه أحدٌ من علماء عصره، ولقد قالوا قديمًا: الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.

وكانت علاقة هذا الإمام العلاّمة بالحكام تقوم على ثلاث ركائز:

الأولى: الدعاء لهم بالتوفيق والهداية والبطانة الصالحة.

الثانية: بذل النصيحة لهم سرًّا دون فضيحة ولا تشهير.

الثالثة: أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

فكان بذلك أبعدَ الناسِ عن مداهنة الحكام ونفاقهم كما يفعل كثير من علماء العصر - نسأل اللَّه السلامة.

وكان أيضًا لا يصطدم بالحكام، ولا يشهر بهم، ولا يثير الناس عليهم، ولا يحرِّك الفتن ضدهم، ولا ينشر خطأهم على الملأ، كما يفعل بعض علماء العصر - نسأل اللَّه السلامة.

وإنما كان يلتزم منهج أهل السنة والجماعة في نصيحة الحكام وكيفية الإنكار عليهم، ولعلنا ننشر نموذجًا تطبيقيًّا لذلك في العدد القادم - بإذن اللَّه.

وكان - رحمه اللَّه - يتأسى في ذلك بمن سبقه من علماء الأمة والسلف الصالح؛ فإنهم كانوا يقيمون الحُجة على الحكام، ويسوقون الأدلةَ القاطعة والبراهين الساطعة من نصوص الشريعة، فلا يملك الحكام عند ذلك إلا الإذعانَ والتسليم.

وهذا الإمام الشعبي يذكر مثالاً لذلك فيقول: كنت عند الحجاج بن يوسف الثقفي، فأتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلاً بالحديد، وقال له الحجاج: أنت زعمتَ أن الحسن والحسين من ذرية رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم؟ فقال: بلى، فقال الحجاج: لتأتيني بها واضحة بيِّنة من كتاب اللَّه، أو لأقطعنَّك عضوًا عضوًا، فقال: آتيك بها واضحة بينة من كتاب اللَّه يا حجاج، قال: فتعجبت من جرأته بقوله: يا حجاج، فقال له: ولا تأتني بهذه الآية: ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ [آل عمران: 61]، فقال: آتيك بها واضحة من كتاب اللَّه، وهو قوله: ﴿ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ * ....... وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى [الأنعام: 84، 85]، فمن كان أبو عيسى، وقد ألحق بذرية نوح؟ قال: فأطرق مليًّا، ثم رفع رأسه وقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب اللَّه، حلوا وثاقه، وأعطوه من المال كذا.

والشاهد من هذه الحكاية حيث استدل العالِم الفقيه على أن الحسن والحسين من ذرية النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب اللَّه - تعالى - إذ عدَّ اللَّهُ - تعالى - عيسى من ذرية نوح؛ لكون أمِّه مريمَ - عليها السلام - من ذريته، فكذلك الحسن والحسين من ذرية محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - لأن أمهما فاطمةَ بنت محمد - صلى الله عليه وسلم.

نسأل اللَّه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يرحم الشيخ العلاّمة عبدالعزيز بن باز، وأن يسكنه فسيح جناته، ويتجاوز بمنِّه وكرمه عن زلاته، وأن يجمعنا به في أعلى عليّين، مع الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

ـــــــــ

[1] أي في حلق العلم؛ لقوله - تعالى -: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43].

   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 8 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ