البهائية
مسابقة الشيخ محمد صفوت نور الدين

صيانة الحج من الرفث والفسوق

 
عرض المقال
 
 
صيانة الحج من الرفث والفسوق
1232 زائر
05-11-2011
غير معروف
مجلة التوحيد
صيانة الحج من الرفث والفسوق
الحمد لله، جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمنًا، أحمده سبحانه وأشكره؛ يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات فضلاً منه ومنًّا، وأصلي وأسلم على نبينا محمد الذي أكرمنا به ربنا فبعثه منا، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعدُ: فقد قال الله تعالى : « الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ » [البقرة:197]. والمعنى : أنه من أوجب الحج على نفسه خلال هذه الشهور بأن تلبَّس به، وألزمه نفسه، فليحترم ما التزمه من شعائر الله، وليصُنْه من الرفث الذي هو مقاربة النساء ما دام مُحْرِمًا، ومن الفسوق الذي هو الخروج عن حدود الشرع بفعل أي محظور يُخِل بإحرامه، خصوصًا ما نص الله عليه في قوله سبحانه: « فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ » [الحج:30]، ومن الفسوق: الخصومات والفُحش، واللجاجة بمفهوم النص على ترك الجدال بقوله : « وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ » [البقرة:197].
وتنويع هذه المنهيات في الحج من الله بترتيب عجيب، فابتدأ بالرفث المفسد للحج حسب ما فصله العلماء، ثُمَّ الفسوق الذي هو الخروج عن أي شيء من حدود الله في الإحرام، ثم الجدال الذي كان جاريًا بين القبائل في الجاهلية، من التنازع، والتفاخر، والتنابز بالألقاب، فما أجمل هذا التناسب بين الكلمات في هذه الآية الكريمة.
والحكمة في النهي عن هذه الأشياء: هي تعظيم حرمات الله. وقد قال الله تعالى : « ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى » [الحج:32]، وقال تعالى : « ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ » [الحج:30]، فإنَّ المتلبس بالحج يكون أولاً في إحرام، ثم تزداد عليه الحرمة بدخوله في الحرم، ثم تزداد بمزاولته لأعمال الحج، فيكون محفوفًا بعظيم الحرمات، فيجب عليه التحلي بالأخلاق الإسلامية العالية، والآداب الشرعية الرفيعة، والتخلي عن كل ما يخالف الخُلق والأدب مع الله سبحانه أو مع عباد الله، والحذر من إيذاء المسلمين بالقول أو الفعل أو اليد أو اللسان، فالحج مدرسةٌ لتعليم الأخلاق الكريمة ، والسجايا الحميدة، والشمائل النبيلة، والمُثل العليا، من الصبر والتحمل، والتعاون والإيثار، بعيدًا عن العنف والشدة والمزاحمة والإيذاء ، ولا يكون ذلك إلا باستشعار عظمة هذه الفريضة العظيمة، فهي ليست رحلة برَّية، ولا نزهة خلوية، ولا تُفعل تقليدًا وعادة ومحاكاة، وإنما هي: رحلةٌ إيمانية، وفرصة عظيمةٌ للتوبة والإقبال على الله سبحانه، ولزوم صراطه المستقيم، وقد توعد الله تعالى كل من يريد اعوجاجًا عن هذا النهج المستقيم بالعذاب الأليم، فرتَّب العقاب على الهمِّ بالسيئة، وإن لم تُفعل ، قال الله تعالى : « وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ » [الحج:25]، فكيف بمن يُريدُ ويفعلُ؟ لا ريب أن الأمر أشدُّ وأنكى.
إنَّ في هذا التعبير البليغ زيادةً في التحذير، ومبالغة في التوكيد، ولقد ضرب السلف الصالح – رضوان الله عليهم – أروع الأمثلة في الأدب مع حَرَم الله – عز وجل – يقول عبدُ الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما -: «كُنَّا نعدُّ : لا والله، وبلى والله، من الإلحاد في الحرم». وروي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قوله: «لأن أُخطئ سبعين خطيئةً بـ «رُكية» أحبُّ إليَّ من أن أُخطئ خطيئة واحدةً في الحرم». و«ركية» اسم موضع بالحجاز بين غمرة وذات عِرْق.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما : «أنه كان له فسطاطان : أحدهما في طرف الحرم، والآخر في طرف الحل، فإذا أراد أن يعاقب أهله أو غلامه فعل ذلك في الفسطاط الذي ليس في الحرم ، يرى أنَّ مثل ذلك يدخل في الإلحاد فيه بظلم. فتأمل أيها المسلم فعل ابن عمر رضي الله عنهما ، يتحرز من أن يعاقب أهله أو غلامًا داخل حدود الحرم؛ خشيةَ أن يقع في الإلحاد ، فما بالك بمن يعمل في حرم الله ما هو أعظم من ذلك !! فقد رأينا وسمعنا من يسبّ، ويشتم، وربما تطاول باليد على أخيه الحاج أو المعتمر؛ بسبب حجز الأماكن في الحرم.
وقد سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- عن حجز أماكن في المسجد الحرام أو المسجد النبوي ؟ فأجاب رحمه الله : المسجد لمن سبق ، فلا يجوز لأحد أن يحجز مكانًا في المسجد ، ولهذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لم يجد إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». متفق عليه. أي : لاقترعوا، فحجزه أمرٌ لا يجوز ، وغصب للمكان ، ولا حق لمن غصبه ، فالسابق أولى منه وأحقّ به حتى يتقدم الناس إلى الصلاة بأنفسهم». [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: 13/208].
وقال فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -: «لم يكن من عادة السلف الصالح وضع تلك الفُرُش وتحجُّر المساجد ، بل أنكروا ذلك وعدّوه بدعةً في الدين ، وكل بدعة ضلالة، كما يروى أن عبد الرحمن بن مهدي فرش مصلاه في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فأمر الوالي بحبسه، وقال : أما علمت أنَّ هذا في مسجدنا بدعة؟ فإذا علمت ما ذكر فلا شك أنَّ فعل ذلك في المسجد الحرام أعظم تحريمًا وأشد منعًا؛ لعظيم حرمة ذلك المسجد ، وقد صرّحت الأدلة أنَّ المعاصي في الأيام المعظمة والأماكن المعظمة تغلظ معصيتها وعقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان ، قال الله تعالى : « وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ » [الحج:25]». (فتاوى ابن إبراهيم: 3/38- 40). اهـ.
فاتقوا الله ربكم – أيها المسلمون – واعرفوا لهذا البيت فضله وخصائصه، فقد حرَّمه الله وحمى حماه ، وجعل قصده مكفّرًا لما سلف من الذنوب، ماحيًا للأوزار، قال صلى الله عليه وسلم : «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». [البخاري: 4/25، ومسلم 2/983]. وإلا فماذا يصنع من يؤمُّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ورعٌ يحجزه عما حرَّم اللهُ، وحلمٌ يضبطُ به جهله، وحسن صحبة لمن يصحبُ، وقد كان أهل الجاهلية يراعون حرمة البيت الحرام ، حتى قالت إحدى النساء قبل الإسلام توصي ابنًا لها بتقديس الحرم وتعظيم حرمته، فقالت: أبُنَي لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير أبُنَي من يظلم بمكة يلق آفات الشرور أبُنَي قد جربتها فوجدت ظالمها يبور فالمسلمون إذن هم أولى وأحق بأن يكرموا بيت الله، ويطهروه من سائر الأنجاس والأدران ، فلا تحقرنَّ أخي الحاجُّ من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تُنحّي الأذى من طريق الناس، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلقٌ، فخيرُ الناس أنفعهم للناس وأصبرهم على أذى الناس، ولقد أعدَّ الله جنات عدن للذين « الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » [آل عمران:134]. وحسب الحاج قول النبي عليه الصلاة والسلام: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». [البخاري: 1773، ومسلم: 1349]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه». [البخاري: 1819، 1350]. نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى، أن يكتب لنا حج بيته الحرام، وأن يرزقنا التأدب بآداب الإسلام، وأن يرزقنا اتباع سنة سيد الأنام، « إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ » [إبراهيم:39]. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
   طباعة 
0 صوت
 
 
 

RSS

Facebook

Youtube

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
البحث
البحث في
المتصفحون حالياً 6 زائراً ، للمزيد من التفاصيل عن المتصفحين حالياً : اضغط هنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جماعة أنصار السنة المحمدية © 1431 - 1433 هـ